آخر تحديث: 14 / 12 / 2018م - 10:58 ص  بتوقيت مكة المكرمة

د. جوستاف لوبون: هل كان حاضرا في جادة الشانزلزيه؟

محمد الزاكي

أكثر الشعوب ازدواجية صورة نمطية للشعب العراقي في الذهنية العربية ويمثل هذا التوصيف خاصية تميزه عن سائر الشعوب العربية، ويردد التوصيف السابق بعض الإعلاميين والمفكرين على أنها حالة سلبية ويضيفون عن تموضع ظاهرة العنف في النفسية العراقية وأنها حالة شاذة عن باقي الوطن العربي الذي يتسم بالانسجام والتوافق والاستقرار.

لقد أسهمت كتابات الدكتور علي الوردي بصورة كبيرة في ترسيخ النظرة النمطية للفرد العراقي وكان الدور الأبرز لتسويقها في سوق الثقافة الاستهلاكية من نصيب الدكتور عبدالرحمن النفيسي الذي لا ينفك بترديد مقولات د. الوردي في كل مناسبة يتناول فيها الشأن العراقي على مدى الثلاثين سنة الماضية.

د. الوردي استخلص فرضيته من ثلاث دوائر فصلها في محاضرته التي حولت إلى كتاب تحت عنوان شخصية الفرد العراقي الناحية الحضارية، والناحية الاجتماعية، والناحية النفسية. يقول الوردي إن من غرائب الصدف أن نجد العراق واقعاً أكثر من أي بلد آخر على هامش البداوة والمدنية معا فقد كان مهدا لمدنية تعتبر من أقدم المدنيات البشرية ثم نجد الناحية الأخرى انه واقع على حافة صحراء تعج بالبدو وتمد الأقطار المجاورة بأمواج متوالية حينا بعد حين. ويضيف الوردي إن هذه الحقيقة الحضارية تؤدي بنا إلى نتيجة عظيمة الأهمية حيث نجد في العراق منذ بدء المدنية الأولى طبقتين أو حضارتين تتصارعان حضارة بدوية محاربة من ناحية وحضارة زراعية خاضعة من ناحية أخرى.

على الرغم من أن الوردي يسلم بان التناقض في الشخصية لا تختص بمجموعة بشرية دون أخرى لان النفس البشرية عبارة عن صراع مرير بين الذات العليا والذات السفلى بحسب تعبير فرويد إلا إن التركيبة الحضارية الخاصة أسهمت في جعل الشعب العراقي أكثر الشعوب ازدواجية.

لست هنا أسجل اعتراضا على استنتاجات الوردي لأنه حتى هو لا يجزم بصحتها وإنما أردت أن اقو لـ إن التركيبة الحضارية لا تختص بالعراق بل معظم الأقطار العربية إن لم يكن كلها تعج بالصحاري حتى ارجع الدكتور عبدالرحمن الأنصاري أزمات العرب السياسية المزمنة إلى التركيبة الجغرافية الصحراوية التي تفرست فيها قيم البداوة على قيم التمدن رغم تمظهر التمدن والتحديث في الوطن العربي.

شعوب الخليج لا تختلف في جوهرها عن التركيبة الحضارية للشعب العراقي فهل هذه الشعوب تقل فيها ازدواجية الشخصية؟ إذا كان الجواب نعم، إذن لا نستطيع أن نسلم بصحة الفرضية على الشعب العراقي، أو لابد أن نسلم أن جميع هذه الشعوب ذات التركيبة الحضارية الازدواجية تتموضع فيها الازدواجية بنفس الدرجة.

لا أود أن أسهب في بقية الدوائر والأمثلة التي ساقها د. الوردي لأنها أكثر شيوعا في المجتمعات الخليجية كظاهرة التجزؤ التي عنى بها الرجل في المقاهي والمرأة في البيت والطفل في الأزقة، إضافة إلى الأمثلة التي تمس الظاهرة الدينية على أنها تدلل على استفحال ازدواجية الفرد العراقي.

أن ظاهرة العنف الفردية والجماعية متفشية في اغلب المجتمعات وليست حصرا على المجتمع العراقي وتؤكد الأحداث التي تفجرت في الوطن العربي هذه الحقيقة وهي ترجمة للصراع على السلطة والثروة، وثورة الجماهير الفرنسية التي نشهد فصولها المتجددة بشكل مباشر عبر وسائل الإعلام المختلفة الأكثر دلالة في هذا السياق.

يبدو أن لوبون عصى على الإلغاء ولا زال حاضرا ولم يتوارى كما ذهب أوتو كلينبيرج الاستاذ المشارك في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة باريس في تقديمه لكتاب سيكولوجية الجماهير ويفرض مرة أخرى وجوده كمؤسس لعلم نفسية الجماهير من بوتقة الصدامات المتفجرة في جادة الشانزلزيه.

يتحدث لوبون عن عصره وعن تدمير الأفكار والعقائد القديمة التي لا تزال رازحة وجبارة على الرغم من إنها قد تزعزعت والأفكار الجديدة المدعوة للحلول محلها لا تزال في طور التبلور، وان عصره يمثل فترة انتقالية وفوضوية. ويضيف ليس من السهل أن نتنبأ بما سيتولد عنها مستقبلا. ويتساءل على أية أفكار أساسية سوف تنهض المجتمعات المقبلة؟

ويجيب إننا لا نزال نجهل ذلك حتى الآن ولكننا نستطيع أن نتنبأ منذ الآن بأنه ينبغي أن يحسب الحساب فيما يخص بنيتها وتنظيمها لقوة جديدة تمثل آخر سيادة تظهر في العصر الحديث إنها قوة الجماهير وجبروتها، إن هذه القوة الجديدة هي وحدها التي نهضت وترسخت وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار إن العصر الذي ندخل فيه الآن هو بالفعل عصر الجماهير.

هل الشعب الفرنسي شعب همجي عنيف؟ أم يتسم بالوعي والذكاء والمسؤولية؟ لماذا يتظاهر ويحطم الممتلكات ويشعل الطرقات لمجرد أن ارتأت الحكومة المنتخبة مصلحة في زيادة الضرائب على الوقود من أجل المصلحة العامة وبيئة صحية نظيفة؟ لماذا لم يتحلى الشعب الفرنسي بالنضج والسكينة خصوصا انه يخضع لنظام ديمقراطي تتداول فيه السلطة من خلال صناديق الاقتراع وينتظر الانتخابات التالية ويسقط الحكومة بصورة سلمية ضمن الأطر الدستورية؟

الإجابة عند لوبون هي إن الجماهير تفتقد العقل النقدي بعد تشكل الروح الجماعية وهي اقرب إلى البدائية بصرف النظر عن الخصائص الفردية.

لن تشكل هذه التظاهرات خطرا على النظام الجمهوري أو بحث عن نظام بديل على أسس فكرية مختلفة أو نظرية اقتصادية مغايرة لكن بالتأكيد قد تطيح بماكرون من قصر الاليزيه كما أطاحت البطالة بطموحات فرانسوا أولاند بعد أن أخفق في إيجاد حلول حقيقية كما وعد في حملات الانتخابية ولم يتجرأ حتى في التفكير بخوض الانتخابات لولاية ثانية.

وتبقى الأمعاء الفارغة شرارة مباشرة للتحولات الاجتماعية الجسيمة والانعطافات التاريخية الكبرى.