آخر تحديث: 19 / 1 / 2019م - 11:19 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافتنا المحلية بين مرحلتين

محمد الحرز صحيفة اليوم

طرأت تحولات على أدبنا وثقافتنا المحلية فيما يشبه الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بحيث تختلف الواحدة عن الأخرى، في التصورات، والمكونات، والوظائف والآثار وخصائص التلقي. وهذا الانتقال لا يمثل قطيعة بين مرحلتين بالمعنى التام للقطيعة، بل يمكن وصفه بالعبور بما تحمله هذه الكلمة من دلالة على الحركة وعدم الاستقرار والفوضى وضبابية الرؤية. وسأبدأ كلامي أولا عن وصف المرحلة الأولى ثم انتقل بالحديث ثانيا إلى الأخرى، مركزا على جملة من النقاط التي في نهايتها تمثل تلك التحولات التي صدرنا بها المقالة.

في عقد التسعينيات الميلادية لعبت الأندية الأدبية دورا رئيسا في صناعة حراك أدبي نقدي خصوصا نادي جدة الأدبي الذي كان سباقا في تحديث الدراسات الأدبية المتعلقة بالشعر أو القصة أو السرد الروائي، وانفتاحه على كل جديد، واحتضانه للتجارب الحديثة في الشعر كالثبيتي أو عبدالعزيز مشري وعبده خال في القصة والرواية، وتشجيعه لهؤلاء وغيرهم من خلال عمل الندوات والملتقيات حول أعمالهم واستدعاء أبرز النقاد كالسريحي والبازعي وغيرهم من النقاد الأكاديميين، بالخصوص النقاد العرب المقيمون في جامعاتنا الذين كان لهم حراك فاعل ضمن هذا المسار. وعندما أشير إلى نادي جدة بالخصوص خلافا عن غيره من الأندية، فذلك لأنه كان أكثر الأندية انفتاحا ونشاطا في جميع الأنشطة التي تتعلق بالأدب والثقافة بشكل عام. ومع نهاية التسعينيات وبدايات الألفية الثانية أخذت بقية الأندية تنشط وتتنافس فيما بينها، خصوصا بعدما أمسك زمام أمور الثقافة في الوزارة الدكتور عبدالعزيز السبيل الذي أشعل الأندية حركة ونشاطا وبث روح الحماس والإرادة في العمل الثقافي وأفسح المجال للتعاون المشترك بين التيارات المختلفة من تقليدية أو حداثية في إدارة الشأن الثقافي، بالإضافة إلى بروز العنصر النسائي في المشهد باعتباره عنصرا فاعلا في إدارة هذا الشأن، وكنت واحدا من الذين شهدوا عن قرب هذا الحراك من خلال نادي الأحساء الأدبي، وأعتقد أنها فترة ذهبية لم تشهد بعدها الأندية مثل هذا الحراك. لكن - من جانب آخر - ظل هذا الحراك مقتصرا في المقام الأول على الأدب الكتابي مستبعدا في نفس الوقت الأدب البصري من مجال اهتمامه. لذلك لم تكن الجمعيات الثقافية بفروعها التي تهتم بالفنون بأشكالها - في هذه المرحلة - في مقدمة المشهد، ولم تكن الدراما أو السينما أو العروض الموسيقية لها حظوة لا في الصحف أو الأنشطة المنبرية أو الإعلام بشكل عام، لقد كانت تنمو في الظل، في وسط أجواء التواصل الاجتماعي التي أخذت وسائله تتطور بشكل سريع كلما تقدم بها الزمن. وإذا كنت هنا ركزت فقط على مؤسستين «الأندية والجمعيات» فلأن المشهد أكثر تعقيدا مما نظن، ولا تسعه مقالة واحدة، ولأن الأدب والفن هنا أيضا يأتيان باعتبارهما الأكثر وضوحا في عناصر التحول، فلقد رأينا في المرحلة اللاحقة التي لم تتجاوز الخمس من السنين كيف تطور الوضع، فما كان ينمو في الظل برز إلى السطح، وأصبحنا نرى عنصر الترفيه مكونا أساسيا من مكونات الثقافة والأدب، وأصبح المتلقي لهما لا يحمل صفة النخبوي، بل أصبحت فكرة ثقافة النخبة تتحلل لصالح ما أسميه ثقافة المجال العام، وهذا أهم تحول طرأ على مشهدنا المحلي.