آخر تحديث: 21 / 2 / 2019م - 9:12 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحرية في الفقه... مشكلة المفهوم

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

النقاش حول مقالة الأسبوع الماضي، لفت انتباهي إلى غفلتنا عن التحول التاريخي للمفاهيم والمصطلحات وحتى المعاني الأولية للألفاظ. وذكرني هذا بقصة في بواكير دراستي لأصول الفقه، قبل أربعة عقود تقريباً. فقد أطنب الأستاذ في شرح العلاقة بين اللفظ والمعنى والفرق بينهما، وبين العام والمصطلح، وبين المعنى الحقيقي والمجازي... الخ.

لا أتذكر الآن مما تعلمته يومذاك، سوى إشارات بقيت في الذهن، من بينها تأكيد الأستاذ على أن «التبادر علامة الحقيقة». والمقصود بهذا القول إن لكل لفظ معنى حقيقياً، نعرفه إذا تبادر قبل غيره إلى أذهاننا. ووفق ما تعلمته يومئذ فإن المعنى الأول للفظ يبقى لصيقاً به على الدوام.

ومرت السنين، فتعلمت أن اللغة ليست كائناً مستقلاً، بل هي جزء من ثقافة المجتمع الذي يتحدثها، وأنها - خلافاً لما تعلمته سابقاً - لا تنتج المعاني. فالمجتمع هو الذي ينتج المعاني، ويلصق بكل منها اللفظ الذي يراه قادراً على حمل المعنى وإيصاله.

أما المعاني فهي التصوير الذهني لعناصر الواقع، المادية مثل التعاملات، والنظرية مثل الأخلاقيات والمعارف والجماليات والمثل والأعراف.

المعاني إذن هي ما نريد التعبير عنه حين نتحدث. أما اللفظ فهو وعاء المعنى أو ظرف الرسالة. ونعلم أن الناس لا يأكلون الوعاء، بل الطعام الذي فيه، ولا يهتمون بالظرف الذي يحمل الرسالة، بل بالرسالة التي في الظرف.

بعد هذا الاستطراد أعود إلى مقالة الأسبوع الماضي، التي ذكرت فيها أن مفهوم الحرية في التراث الفقهي الإسلامي محدود في معنيين، هما الأسر - السجن والرق - العبودية. فقد أثارت هذه الدعوى جدلاً، فحواه أنها تنطوي على رجم للفقه وأهله بالقصور أو التقصير.

لكن صديقي المهندس فؤاد عسيري لفت انتباهي إلى حقيقة غفلت عنها، وخلاصتها أن مفهوم الحرية الذي نعرفه اليوم، لم يكن متداولاً في غابر الزمان. وقد ذكر المفكر البريطاني - الروسي إيسايا برلين أنه أحصى 200 تعريف للحرية، يشير كل منها إلى معنى متمايز عن نظيره. ذكر برلين هذا في محاضرة شهيرة جداً سنة 1958 عنوانها «مفهومان للحرية»، وقد أصبحت نصاً مرجعياً في التراث الفلسفي الخاص بالحرية. وفقاً لهذا التعداد فإن أكثر من ثلاثة أرباع تلك التعريفات - المعاني يرجع إلى القرن السابع عشر وما بعده.

بعبارة أخرى، فإن معظم المعاني التي ينطوي عليها مفهوم الحرية، لم تكن معروفة أو متداولة في الماضي، بل تطورت وتبلورت في سياق التطور العام الذي مر به المجتمع الإنساني خلال القرون الثلاثة الماضية.

هذا لا يعفينا - على أي حال - من الإشارة الإجمالية إلى نقطتين مهمتين:

الأولى: أن إغفال البحث الفقهي لمفهوم الحرية الحديث، ناتج - حسب ظني - عن اعتزاله لتيارات العلم والفلسفة الجديدة، رغم سعة تأثيرها في حياة البشر جميعاً، المسلمين وغيرهم. الحرية من القيم المعيارية الكبرى، وهي تشكل أرضية لشريحة واسعة من أحكام الشريعة والقانون. ونعلم أن الزمان متغير أساسي في تشكيل موضوع الحكم الشرعي وأغراضه.

الثانية: أن انفصال المعرفة الدينية عن تيارات الحداثة، أبقى ثقافتنا العامة أسيرة للتراث القديم بلغته ومفاهيمه وطرق تعبيره الخاصة. هذا أحد الأسباب الذي تجعلنا نتعامل مع قيمة عظيمة مثل الحرية بشيء من الارتياب، وتضطرنا لتبرير ارتيابنا بأن معانيها ولدت أو تطورت في الإطار المعرفي الغربي، وندعي أن لدينا مفهوماً مختلفاً. وهذا بعيد عن الحقيقة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.