آخر تحديث: 26 / 3 / 2019م - 1:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل الفلسفة العملية ”البرجماتية“ مخرجا أخيرا؟

محمد الزاكي

من أكثر الأمور صعوبة أن تجادل سعوديا خسر الكثير من أمواله في سوق الأسهم السعودية، توضيح الصورة أو سبر أبعاد المشكلة سيخلق مأزقا وستبوء مهمتك حتما بالفشل لأن معظم المتداولين يعتقدون اعتقادا راسخا بان العيب في السوق لأنه سوق يختلف عن الأسواق الأخرى ولا يخضع للمعايير والقواعد والمنطق وليس في قدراتهم الاستثنائية.

ولأننا نمتاز بخصوصية شديدة ولا نقبل أن نتحمل مسؤولية فشلنا نبرع في اختلاق الشماعات التي نعلق عليها الفشل، ولذلك من الصعب علينا أن نقول اتخذنا قرارا خاطئ، فشلنا في فهم مجريات الأحداث المحيطة بالسوق، لم نستوعب المفاجآت ولم نتصرف على ضوءها بشكل سليم في التوقيت المناسب. فالأسهل لأراحت ضمائرنا وإرضاء غرورنا أن نعلق الإخفاق على ظهر السوق ونرميه بكل الموبقات.

لعل من المهم جدا التطرق إلى نظرية ”كفاءة السوق“ التي تحتل وضعية بارزة في المجادلات الاقتصادية في الدوائر البحثية والاستثمارية العالمية لما لها من أهمية في اتخاذ القرارات الاستثمارية، وقد اكتسبت نفوذا هائلا في الأسواق المالية على حساب فرضية العشوائية والمضاربة كأساس للتسعير في الأسواق المالية السائدة حتى عام 1938م ومن ابرز المشككين بعقلانية الأسواق المالية الاقتصادي البريطاني الشهير جون كنز.

تاريخيا تم التطرق لمفهوم كفاءة السوق بشكل صريح في عام 1889 في كتاب الاقتصادي جورج رتليدج جبسون ”أسواق الأسهم في لندن وباريس ونيويورك“ حيث أشار ”عندما تصبح الأسهم معروفة علانية في سوق مفتوحة فان القيمة التي تكتسبها ربما تعكس أفضل المعلومات المتعلقة بها“ شكلت هذه الأفكار الأساس لنظرية كفاءة السوق لاحقاً التي صاغها يوجين فاما تلميذ د. ملتون فردمان وأستاذ المالية في جامعة شيكاجو معقل السوق الحرة في أواخر الستينات من القرن الماضي.

تفترض كفاءة السوق إن ”أسعار الأسهم في سوق الأوراق المالية الكفء تعكس جميع المعلومات المتاحة وهي محصلة أراء جميع المستثمرين مما يجعل من المستحيل على أي مستثمر التغلب على السوق بشكل مستمر“ على المدى المتوسط والطويل وتفترض ثلاث مستويات لـ ”جميع المعلومات“ الضعيف، وشبه القوي، والقوي، وان المتداولين يتخذون قراراتهم بصورة عقلانية في ضوء المعلومات المتاحة في سوق تنافسية.

عقلانية حشود المستثمرين مرتكز أساسي لنظرية يوجين فاما بخلاف ما يتصوره علم نفسية الجماهير فيما يخص لا عقلانية الحشود حتى ولو كانت من شريحة العلماء المتميزين في الموضوعات الخارجة عن دائرة تخصصاتهم.

لكن الأزمات العنيفة التي تضرب الأسواق بين حين وآخر عادة تلقي بضلال من الشك في هذه الفرضية. فإذا كان البشر يبحثون عن اله أخر إذا ما جابهتهم مصيبة حسب جوستاف لوبون فمن الطبيعي التشكيك بالفرضية الحالية ولا غرابة البحث عن نظرية جديدة عندما تضربهم كارثة اقتصادية بحجم كارثة الرهن العقاري سنة 2008م.

في الثمانينات من القرن الماضي أصبح الأستاذ في جامعة ييل روبرت شيلر الحائز على نوبل في الاقتصاد مشاركة مع يوجين فاما سنة 2013م من اشد النقاد صراحة لفرضية كفاءة السوق وحذر في أواخر التسعينات من القرن الماضي من الوفرة اللاعقلانية في أسعار الأسهم وفي مطلع القرن الجديد حذر من الوفرة اللاعقلانية في أسعار المنازل حسب كتاب ”خرافة عقلانية السوق“ للصحفي جاستن فوكس المنشور عام 2009م والواضح إن الدافع وراء تأليفه تأريخ نظرية كفاءة السوق على اثر الكارثة المالية التي هزت الاقتصاد الأمريكي والعالمي سنة 2008م.

في أكتوبر 2008م ذهب الان جرينسبان رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى مبنى الكونجرس الأمريكي ليدلي بشهادته وبعد الفراغ من قراءة بيانه لتفسير ما حل بالأسواق المالية، وبعد أن طرح رئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب هنري واكسمان بعض الأسئلة على جرينسبان أوجز ”بعبارة أخرى، أنت وجدت إن رؤيتك للعالم اقصد“ أيديولوجيتك ”لم تكن صحيحة ولم تفلح“ أجاب جرينسبان ”بالضبط وهذا هو تحديدا ما صدمني لأنني ظللت أربعين سنة أو أكثر احمل كما لا بأس به من الأدلة على أنها ناجحة نجاحا باهرا“.

ولا زال الجدل مستمرا حيث برز تحد آخر لنظرية كفاءة السوق قدمه أستاذ المالية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أندرو لو في نظرية جديدة حول كيفية عمل الأسواق المالية وأسباب إخفاقها في كتابه ”الأسواق التكيفية“ الصادر في أبريل/نيسان عام 2017، يحاول خلاله إثبات كيف يمكن للعناصر العقلانية وغير العقلانية أن توجد معًا في السوق في نفس الوقت واستنادا إلى الأبحاث التي أجراها استنتج إن نظرية ”كفاءة السوق“ ليست خاطئة ولكن ناقصة.

يتصدر الاقتصاد السلوكي المشهد من جديد والذي يمثل مزيجا من علم النفس وعلم الاقتصاد حيث يأخذ في الاعتبار العوامل العاطفية والنفسية والاجتماعية في اتخاذ القرارات الاقتصادية بخلاف النظرية التقليدية التي تفترض عقلانية القرارات الاقتصادية، ففي عام 2017م الاقتصادي الأمريكي ريتشارد ثالر يفوز بجائزة نوبل عن مشاركته في تأليف كتاب التنبيه ويبحث عن الأسباب التي تدفع الأشخاص للاختيارات السيئة أو غير العقلانية في قراراتهم الاقتصادية.

في الحالة السعودية الأمر مختلف المتداول السعودي يفترض انه يمتلك الفهم والدراية الكاملة بالأدوات التي تؤهله اتخاذ القرارات العقلانية تحت أي ظرف من الظروف ولكن المشكلة في السوق ذاته فهو يفتقر إلى المعايير والقواعد السائدة في الأسواق العالمية وبالتالي نحن هنا ليس أمام جدل فكري يتناول نظرية كفاءة السوق كفرضية جدلية في الاقتصاد الرأسمالي.

لذا أقول من الممكن حسم النزاع من خلال إخضاع المتداولين أنفسهم لاختبار الفلسفة العملية التي تنظر إلى الفرق العملي لكل فرضية أو رؤية فإذا كان هناك فرق في النتائج العملية بين خيار ألف وبين خيار باء آهلا وسهلا أما إذا لم يكن هناك فرقا عمليا بين الفرضيتين عند إذ الجدال هنا بين المتنازعين يمثل جدلا عقيما عديم الفائدة ولا يستحق استهلاك الجهد والوقت فيه.

تتنازع السوق السعودي فرضيتان بين المتداولين فرضية يتبناها معظم المتداولين وتقول إن السوق السعودي ليس له أساس يمكن الاعتماد عليه ويفتقر لكل المعايير التي تتمتع بها الأسواق الدولية ويستشهدون عادة بما يحدث في الأسهم الخاسرة أو الجديدة من مضاربات عنيفة آو بعد كل خسارة جسيمة ويتغافلون تماما عن أداء الشركات الناجحة والقوية التي تمثل عمق السوق.

الفرضية الأخرى إن السوق السعودي كبقية الأسواق خصوصا مع التطوير المستمر بعد إنشاء هيئة سوق المال مع الأخذ في الاعتبار عراقة الأسواق في الدول المتقدمة من حيث التنظيم والأدوات والإشراف ويتبناها القليل من المتداولين وهم كبار المستثمرين وصناديق الاستثمار أو من له الإلمام بأدوات التحليل المالي والفني والاستراتيجي والاطلاع على ما يجري في الأسواق الدولية.

على المتداولين أن يخضعوا أنفسهم لاختبار الفرضيتين لفترة زمنية محددة ولتكن شهر أو ثلاثة أشهر لكل فرضية بمعنى أن يتداول المستثمر لمدة شهر باستخدام فرضية إن السوق ليس له أساس يعتمد عليه وبالتالي يتداول في السوق بصورة عشوائية دون النظر إلى أي بعد معلوماتي بمختلف مستوياته ثم يتداول لمدة مماثلة باستخدام الفرضية الثانية على أساس إن السوق كبقية الأسواق ويتداول على أساس المعلومات المتاحة بمستوياتها الثلاثة ”ضعيف، شبه قوي، قوي“ وبعد ذلك قياس النتائج المستحصلة من التطبيق العملي لكل فرضية فإذا كان هناك فرق عملي في النتائج فأي من الفرضيتين تحقق نتائج ايجابية تصبح هي الحقيقة بالنسبة له وبتالي يحسم الجدال هنا، وإذا لم يكن هناك فرق عملي في النتائج والمحصلة سلبية في كلا الحالين هنا يجب أن يشك المتداول في نفسه وعليه اتخاذ قرار الحسم.