آخر تحديث: 26 / 3 / 2019م - 1:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

السلالم والثعابين - 2

بنيَّ: ونحن نمشي في الربيعِ تصور أن الحياةَ حقلٌ أخضر، يُخفي الكثيرَ من الجمالِ والروعةِ وبين لونِ الخضرةِ ولون الثعابين مسافةَ شعرة، ثم ترفع رأسها وتنهش جلدك الغض. يدفعنا الخوفُ وحبُّ البقاء لقتلِ كل الثعابين، ولكن ليس كل الثعابين تضرنا وليس كلها يقصد أذانا، وهي في مجملها تحمي نفسها من تطفلنَا على مكان عيشها، فكيف نسلم من حقول الثعابين؟ كم كان بودي أن تخلو كل ساحات الحياة من الثعابين ويكون كلامنا في همسٍ عن الأشجار وقطر الندى، أنتَ تسقي الأزهارَ وأنا أنظر إليك!

لكن هكذا كل الأحياء والأشياء في الحياة صارت، إما سلم يساعدنا على الرقي أو أفعى تلتهم كل ما أنجزنا، إن لم تلتهمنا، سلالمُ ترمينا في العلو وثعابين تريد أن تردعنا عن المشيِ والنزهة بين الحقول. بنيَّ: ولكي لا يضجركَ المشيُ امش مستقيماً ناظراً للأعلى، وافرد قامةَ رأسكَ حتى لو طلبتَ السماءَ طلتها تتعزز ثقتكَ في نفسكَ وأفكارك، وتزداد عزيمتكَ على حل المشكلات ويتحسن مزاجك ويذهب عنك الاكتئاب. ومتى ما جلست، اجلس منتصبَ القامةِ تكون أكثرَ انتباهاً وحماساً ويقل خوفكَ من الأفاعي.

أفعى تبحث عن حجرٍ وتقتلها، لأنك كشفتَ سرها فإن رغبتَ أن تعودَ ألى الحقلِ وجدتها تنتظركَ في سمها الذعافْ، الذي يقتل من ساعتَه، وأفعى تلتف من حولها وتدعها تنساب بين رجليك، وأفعى تلتقطها وتتمعن في جمالِ خلقتها. وكما يحتاج الماشي إلى كثيرٍ من النزهاتِ بين المروجِ والنظر إلى جرحى الأفاعي ومن ماتوا بسمها، ليعرف أي حيةٍ يقتل وأي حيةٍ يترك، سوف تحتاج إلى السنين تمشي فيها في الحياةِ لتعرفَ أنواعَ العقباتِ التي تعترض طريقك. لكل سمِّ أفعى ترياق يشفيك، فإن عشتَ بين الحقولِ فتعرف على ترياقِ عدوك الذي متى ما أصابك نابه أخرجتَ الترياقَ سريعاً من جيبك وإلا هلكت، ثم بعد أن تقرب من الهلكةِ تقوى ولا يُميتك عضُّ الأفاعي.

كما تغير الأفاعي ألوانها خوفاً من عدوٍّ أو طمعاً في صيد، فالإنسان يمكنه أن يتغير من عدوٍ إلى صديق، وإذا ما استطعتَ أن تتحاشى المعركة وتعرف كيف تغريه أن يصطف معك فأنتَ صنعت من الأفعى سلماً ترتقي به. في حين أنه أمرٌ يسير أن تغير الأفعى لونَ جلدها   مدفوعةً بغريزتها وخوفها، أما الإنسان فيدفعهُ عقلهُ وقدرته على تقديرِ عواقبِ الأمور.

لو حاولت استقصاءَ الأفاعي التي تكون عقبةً في حياتك ما استطعت، هي موجودةٌ قبل أن تخلق فيما صنع أسلافك، وفي نفسك، وفي الناس وفي الأشياء، وكذلك السلالم التي ترتقي بها للأعلى، فلربما تعرفنا على بعضها ونحن نمضي في اعتدال الربيع.

بنيَّ: لم تكن الحياة صراعاً ودروساً كيف تتقي الأفاعي، ولكننا البشر أحلنا النورَ إلى عتمة، والوفرة إلى ندرة، والإكتفاءَ إلى جشع. أنا وأنت سوف نصلي أن يأتي علينا غدٌ تموت فيه كل الأفاعي، غدٌ فيه تطلع الشمس لا تغيب، وحتى يأتي ذلك اليوم: إذا لم ترغب أن تكون سلماً يساعد غيره على الإرتقاء، فلا تكن الحيةَ التي تنشر الخوف في الوادي...

مستشار أعلى هندسة بترول