آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 12:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

الزمن الجميل

محمد أحمد التاروتي *

يحاول البعض تحميل الاحباطات للمحيط الاجتماعي الراهن، عبر توجيه الاتهامات للواقع المعاش، كنوع من الهروب وعدم تحمل المسؤولية، بحيث يرسم صورة جمالية للحقب الماضية، وإشاعة صورة قاتمة للفترة الراهنة، لاسيما وان التعلق بالماضي يسكت تأنيب الضمير مؤقتا، الامر الذي يتمثل في نسج القصص الجميلة للفترة السابقة، وتجاهل مختلف الويلات والمصاعب، التي تزامنت مع تلك الحقب الزمانية السالفة.

النظرة الاحادية للحياة تكشف وجه واحد، وتتغافل عن مختلف الوجوه، مما يقود لإطلاق أحكام غير متوازنة او صحيحة، لاسيما وان البعض يحاول ترويج الصور المشرقة للزمن الماضي، اعتمادا على مشاهدات شخصية والاحتكاك المباشر، مما يضفي نوعا من المصداقية على تلك الشهادات الحية، الامر الذي يحدث اثرا على المتلقي، سواء كان ايجابيا او سلبيا، نتيجة ردود الافعال تجاه الشهادات الحية لتلك الفترات الزمنية، وبالتالي فان انتهاج الطريقة غير المتوازنة تخلق مشاكل عديدة، فيما يتعلق بالطريقة المناسبة للتعاطي مع الاحداث التاريخية.

جمال الحياة مرتبط بطريقة التعامل مع محطاتها المختلفة، فالسقوط في مرحلة حياتية لا يمثل كابوسا مظلما على الدوام، لاسيما وان الحياة حبلى بالكثير من الاحداث، بعضها سعيدة والاخرى مؤلمة، مما يفرض الاستخدام الامثل في الاختيار، لتنعكس على المسيرة الحياتية، بمعنى اخر، فان الزمن الجميل لا يعكس الحياة الوردية الخالية من المتاعب، وإنما يتمثل في النظرة المتفائلة، والبعيدة عن التشاؤم، التي تحيل الحياة الى جحيم وبؤس لا يطاق.

الوقوف عند محطات معينة في المسيرة الحياتية، عملية ايجابية بغرض استخلاص النتائج، ومحاولة اخذ الدروس النافعة، لاسيما وان التجارب الحياتية قادرة على احداث تحولات كبيرة، في النظرة تجاه مختلف الفئات الاجتماعية، بحيث تنعكس على الاساليب المتبعة في اختيار الرفقاء، وكذلك طريقة معالجة الخلافات على اختلافها، وبالتالي فان المحطات الحياتية تلعب دورا اساسيا، في رسم الصورة تجاه الفترات الزمنية، بيد ان البعض يتحاشى نقل المحطات الفاشلة، ويركز على تدوين التجارب الناجحة، من اجل إعطاء حياة نرجسية للطرف المقابل.

التعاطي مع التجارب الحياتية كنوع من الزمن الجميل، يعكس حالة من الضياع، وعدم التوازن احيانا، خصوصا وان الاحباطات تمثل جزء من الحياة، وضريبة يدفعها الانسان، فالزمن يكون جميلا مع التجارب الفاشلة والناجحة، وبالتالي فان الحديث عن النجاح الدائم امر غير وارد على الاطلاق، فالوصول الى محطة النجاح يتطلب المرور على العديد من المحطات، بعضها شديد المرارة والبعض الاخرى كثيرة الحلاوة، مما يعني ان الزمن الجميل ليس معناه العيش دون منغصات، او مصاعب شديدة طوال رحلة الانسان في الحياة.

اطلاق الاحكام يتطلب بعض التروي، والابتعاد عن الانفعالية، لاسيما وان الحالة النفسية، تشكل احد الاسباب وراء الإخفاق في النظرة العقلانية، وبالتالي فان ترديد الزمن الجميل على حقبة زمنية، ليس معناه اختفاء الجمال عن الحقب السابقة، او اللاحقة، وإنما يعكس انطباعات بعضها واقعية، والبعض الاخرى انفعالية ومتسرعة.

كاتب صحفي