آخر تحديث: 17 / 11 / 2019م - 12:24 ص  بتوقيت مكة المكرمة

جعفر الشايب : الثقافة صناعة وطنية

جهينة الإخبارية مجلة سيدتي

منتدى الثلاثاء الثقافي وعاء ثقافي قدم حراكا ثقافيا متميزا منذ بداية تأسيسه وما زال ينتظره الكثير، يجتهد القائمون عليه ليترك أثرا ملموسا في الوسط الثقافي في المنطقة الشرقية كان لنا شرف لقاء الكاتب جعفر الشايب مؤسس المنتدى ليحدثنا عنه

نبذة عن بداية تأسيسه؟

تأسس منتدى الثلاثاء الثقافي بمبادرة من مجموعة مثقفين في محافظة القطيف عام 2000م لشعورهم بالحاجة الماسة لإيجاد إطار يجمع المثقفين ويجسر العلاقة بينهم ويساهم في طرح القضايا الثقافية والاجتماعية ويهيأ سبل الحوار والنقاش حولها، ويؤسس لثقافة الحوار داخل المجتمع. واعتمد على عدة أسس ومبتنيات منها الانفتاح على مختلف التوجهات الثقافية والفكرية، وإبراز وطرح الأفكار التنويرية والتجديدية في المجتمع، والدفع نحو تعزيز الثقافة الوطنية الوحدوية. واهتم المنتدى كذلك بابراز المخزون الثقافي المحلي من تراث وفنون والتعريف بالمبادرات الشبابية والأهلية واستضافة مسئولين ومتخصصين في مختلف المجالات. ويعقد المنتدى ندواته بصورة أسبوعية وتصاحبها فعاليات فنية كالمعارض وتكريم بعض الكفاءات في المجتمع.

هل بنظرك الأجسام الثقافية تحتاج إلى تكامل على مستوى المملكة أم أن لكل منطقة خصوصيتها؟

لكل منطقة من مناطق المملكة بيئتها الثقافية التي تتميز بها من خلال العادات والتقاليد السائدة فيها، ولكن هناك جامع وطني مشترك يجمع بين هذه الثقافات بحيث يجعل منها إطارا متكاملا ومنسجما يستند على تعزيز اللحمة الوطنية وإبراز المشتركات كمصادر ثراء اجتماعي وثقافي غير متعارضة. من هنا تبرز أهمية التعريف بثقافة كل منطقة وتراثها ضمن مشروع ثقافي وطني جامع يربط ويعزز هذا التنوع الثقافي الثري والغني بتراثه وماضيه وتطور حاضره. وعندما تسود ثقافة التنوع والاقرار بها نجد أن هذا الثراء يزيد المجتمع لحمة وتمسكا بتراثه، وما نشهده على سبيل الثراء في مهرجان الجنادرية من ابراز للتنوع الثقافي في المملكة لدليل على أهمية ذلك بحيث يكون معبرا عن هويات متداخلة داخل الاطار الوطني الواحد.

ما دور هذه الأجسام في تقريب ثقافة مناطق الوطن الواحد خاصة إذا اختلفت المذاهب؟

لم يكن اختلاف المذاهب في يوم من الأيام سببا للتباعد بين المكونات الاجتماعية المختلفة، فالتنوع المذهبي هي من سمات المجتمع السعودي الذي ظل أبناءه متعايشون ومتماسكون على الرغم من تنوع مناطقهم وتعدد مذاهبهم. المنتديات الثقافية تساهم في إحداث حالة من التقارب بين مكونات المجتمع من خلال التعريف المتبادل والتداخل بين المثقفين ونشر الثقافة الواعية بدلا من حالة الإقصاء والتشدد والانغلاق. ونجد أن هذا الدور ينال أهمية قصوى في الظروف التي تشهدها المنطقة من حدة الطرح الطائفي والتشدد المذهبي والاستقطاب الفكري، حيث أن هذه المنتديات تخلق أرضية مناسبة للتعارف والحوار وطرح القضايا الشائكة في أجواء حيادية وبصورة موضوعية وتساهم كثيرا في إزالة أو تخفيف حالات الاحتقان والتشدد في المجتمع.

ثقافة النخبة أو نخبة الثقافة متى تنتفي هذه الصفة، وهل الثقافة ترف؟

في المجتمعات التي لا تعطي للمشروع الثقافي أهمية وأولوية، ولا تكون هناك خطة استراتيجية واضحة للمشروع الثقافي الوطني، تكون الثقافة حبيسة في دوائر النخب ولا تفتح المجال أمام مختلف أفراد المجتمع أن يشاركوا في العملية الثقافية بمختلف أشكالها. هذا الاحتكار الناتج عن العجز في استيعاب أعضاء الجسم الثقافي يؤدي إلى تسوير العمل الثقافي بأطر نخبوية تحرم عموم أفراد المجتمع من التفاعل معها. الثقافة هي زاد ضروري لكل فرد، وبمقدار ما تنتشر الثقافة في المجتمع بمقدار ما يكون أفراده واعين وقادرين على المساهمة بوعي في عملية البناء والتطوير والمشاركة. وأدعو لأن تكون هناك مشاريع وبرامج ثقافية متنوعة ومتعددة وتناسب مختلف الأعمار وأن تكون جزءا أساسيا من التغذية الفكرية للجميع عبر وسائل حديثة ومناسبة.

ماهو جديد المنتدى في المرحلة الحالية من رؤية المملكة؟

ونحن نعيش هذه التحولات الايجابية المتسارعة في الوطن وعلى مختلف الأصعدة، ومنها الجانب الثقافي، حيث تم الاعلان مؤخرا عن استراتيجية عمل وزارة الثقافة وعين مجموعة من الشخصيات الثقافية الكفوءة ضمن المبادرات الجديدة للوزارة، فإن المنتدى كبقية المؤسسات الثقافية الأهلية يتطلع لمواكبة هذه التحولات بمزيد من الفاعلية في برامجه وخلق التفاعل مع المجتمع باتجاه ترجمة هذه الاستارتيجيات إلى واقع ملموس والتكامل مع المؤسسات الثقافية الرسمية والتعاون معها كي يكون إحدى القنوات الفاعلة في تحقيق هذه الأهداف الوطنية الكبرى.

ماهي أبرز التحديات التي تواجهكم في تنفيذ رؤية المنتدى؟

من أبرز التحديات هي إدراج المنتدى كمؤسسة ثقافية مسجلة بحيث تتمكن من القيام بدورها على أكمل وجه، وتنظم برامجها المشتركة مع بقية الجهات الثقافية، وتصدر أعمالها الثقافية والفكرية بانتظام. لا تزال المنتديات الثقافية في المملكة تتارجح نظاميا بين كونها مستقلة عن أي جهة رسمية أو مسجلة ضمن الجهة المعنية وهي وزارة الثقافة، وقد كانت هناك مجموعة مبادرات سابقة من قبل مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني للم شمل هذه المنتديات الثقافية الأهلية، ومن قبل الأستاذ عبد المقصود خوجة لخلق أطر تعاون واضحة بينها وبين المؤسسات الثقافية الرسمية، آمل أن تؤخذ هذه التوصيات بالجدية المطلوبة وتحويلها لبرامج عمل.

ماذا يرجو المجتمع من وزارة منفصلة للثقافة؟

يامل المجتمع أن تعتني الوزارة الحديثة بالشأن الثقافي ليكون محل اهتمام وأولوية في مشروع التحول الذي نعيشه، فلعقود طويلة كان المشروع الثقافي يراوح بين عدة أجهزة ومؤسسات وأحدث بذلك فراغا ثقافيا كبيرا مع التقدم الذي حققه المجتمع السعودي والتغيرات الكبيرة التي مر بها، نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي شامل ومتكامل يعيد الفنون والمسرح والأنشطة الثقافية والمعارض والمهرجانات والشعر والأدب إلى واجهة الصدراة مجددا لتعبر كل هذه البرامج عن حقيقة المنتج الثقافي السعودي وتبرزه بصورة حقيقية في ظل بيئة ثقافية منفتحة وحرة.

المرأة في مجتمع كان مغلقا فترة طويلة أورثتنا حساسية في تناول بعض قضاياها، برأيك هل تمت مناقشتها بصورة تساهم في التغيير الايجابي؟

الثقافة السائدة في المجتمع لا تزال تنظر للمرأة بدونية وبلا مساواة، مما يجعل كل قضية أو موضوع يتعلق بها يكون في محل شبهة أو إشكال، وعندما يعاد للمرأة مكانها وموضعها الطبيعي كإنسان كامل الأهلية، فإن أي قضية حولها يمكن أن تطرح وتناقش وتعالج بصورة موضوعية بعيدا عن المواقف المسبقة والاستقطابات الحادة. المرأة في المملكة أثبتت أنها قادرة لأن تساهم وتشارك في بناء الوطن وأن تقود مؤسسات كبرى بكل جدارة وثقة، وهؤلاء الطالبات المبتعثات في الخارج ينلن جوائز وشهادات ويحققن انجازات علمية وأكاديمية بصورة مستمرة. أشعر بأننا ينبغي لنا أن نخرج من دائرة التلاوم حول هذا الموضوع، والانفتاح على العصر بوعي جديد وبرؤية تعتمد عل كون المرأة عنصر أساسي في التنمية ومشاركة في جميع القضايا والمسئوليات.

كيف يرصد المنتدى قضاياه للمناقشة؟ وهل هناك تخصصية؟

يستقي المنتدى مواضيع وأفكار المناقشة من مصدرين رئيسيين: الأول هم أفراد المجتمع المتابعين لأنشطته وبرامجه من خلال الاستطلاع الذي يقدم لهم وتقييمهم لهذه البرامج ومقترحاتهم حول المحاضرين والمواضيع المستهدفة، والثاني عبر الهيئة الاستشارية التي تلتقي مرتين في العام وتقوم بوضع الخطوط والتوجهات العامة لمحاور المواضيع وكذلك اقتراح الضيوف المتخصصين في هذه المواضيع. ويحدد المنتدى توجهات رئيسية في كل موسم يخصص مواضيع ندواته حولها بحيث تكون شاملة ومتنوعة، وأحيانا تكون هنالك مواضيع وندوات علمية أو أدبية تخصصية لكنها تكون دوما متاحة للجميع.

قضايا الشباب هل هي حاضرة في المنتدى؟

يخصص المنتدى عدة ندوات في كل موسم حول قضايا الشباب ويطرحها ضمن قوالب متنوعة بعضها يكون حوارا مفتوحا أو مشاركة من الشباب أنفسهم - من الجنسين - للحديث عن قضاياهم والتحديات التي يواجهونها وتطلعاتهم المستقبلية. كما يتيح المنتدى للشباب أن يشاركوا أيضا في إدارة الندوات والحوار مع الضيوف، ويستهدف إشراكهم في مختلف برامجه وتحمل مسئوليات بعض اللجان العاملة فيه. كما يولي المنتدى أيضا اهتماما بالغا بتكريم المواهب الشابة في مختلف مستويات التعليم على تحقيقهم انجازات أكاديمية أو رياضية أو اجتماعية أو ثقافية ودعوتهم للتعريف بهذه الانجازات التي تكون على الصعيد الوطني أو العالمي أحيانا.

المؤسسات الثقافية، مثل الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة، كيف يمكننا زيادة فاعليتها لتساهم في صناعة جودة الحياة؟

بعض هذه المؤسسات يعيش غربة عن المجتمع ولا يتفاعل مع قضاياه وهمومه الثقافية، وهذا ما يضعف دورها في التفاعل مع المجتمع. ينبغي في اعتقادي ملامسة الهم الثقافي من بعد اجتماعي ومعرفة الاهتمامات لدى المجتمع والقضايا التي يهتم بها، كما أن العديد من هذه المؤسسات لا تزال غير قادرة على خلق تواصل وتعاون مع المراكز الثقافية الأخرى كالجامعات والمعاهد والصحف وغيرها من الجهات. إننا في هذه المرحلة بحاجة إلى تكثيف العمل الثقافي والاستفادة من امكانيات مختلف المؤسسات الثقافية هذه وتفعيل دورها في المجتمع، واستثمار مختلف المناسبات لإحداث فعل ثقافي يناسب مختلف الأعمار ويكون بمختلف الوسائل والأساليب.

منتدى الثلاثاء الثقافي مازال نخبويا، وعلى أحسن الفروض فهو لاصحاب امتياز لقرب المكاني، وجهة نظري، ما ردك؟

المنتدى محكوم بمكان إقامة برامجه وفعالياته، ونحاول أن يكون للمنتدى حضور في مناطق أخرى قدر المستطاع ومتى ما توفرت الظروف، لكنني ألحظ أن هناك حضورا متنوعا من مختلف مدن المنطقة الشرقية في معظم برامج المنتدى كالجبيل والأحساء والخبر والظهران والدمام وابقيق، وأحيانا من الرياض. ولعل البعض يكتفي بما يتلقاه من تقارير مكتوبة أو مصورة لكل فعاليات المنتدى حيث يرى بأنها تغنيه عن الحضور. أما من ناحية النخبوية الطبقية، فأرى أن حضور ندوات المنتدى يكون متنوعا وتجتمع فيه مختلف فئات المجتمع ولا يقتصر على النخبة المثقفة فقط حيث أن برامجه متنوعة وتستقطب مختلف الفئات.

هل هناك مواضيع يتحاشى المنتدى طرقها؟ ولماذا؟

من الطبيعي أن يكون المنتدى معبرا على الحالة الثقافية السائدة في المجتمع، وحيث أنه يهدف لنشر الثقافة والحوار حول مواضيع وقضايا بصورة بناءة فعليه أن يختار القضايا والمواضيع التي لا تثير حساسية أو يتم تناولها بصورة غير موضوعية أو حادة. ما يميز المنتدى أن لديه في هيكله جهات تقترح وتدرس المواضيع المناسبة وتقيم آثارها ونتائجها حتى تسترشد لما هو مناسب من الطرح وحتى يحافظ على دوره التنويري وموقعيته في المشهد الثقافي الوطني.

ساهم المنتدى في تقريب الثقافات المجاورة محاولا مزجها لرفد الثقافة المحلية؟ متى يمكننا قول هذه العبارة؟

بالفعل اهتم المنتدى بخلق حوار بيني مع الثقافات المجاورة واستضاف شخصيات من مختلف مناطق المملكة ومن دول مجلس التعاون، بل من المثقفين العرب أيضا بهدف تناول القضايا الثقافية المتنوعة والاسهام في احداث حوار بيني بناء يستند على التعارف والنقاش وطرح المشتركات. وكثير ممن شارك من خارج المنطقة من المحاضرين يرون في هذه التجربة الثقافية مزيجا من التثقيف لهم وتعريفهم بأنشطة المجتمع السعودي الثقافية ويبدون انبهارهم بمستوى التفاعل والنشاط الثقافي القائم وبمستوى الحوار الجاد والثري الذي يجدوه في هذه الندوات.

مستقبل المنتدى كيف تتمناه؟

أتمنى أن يتحول المنتدى لمؤسسة ثقافية بارزة على المستوى الوطني تساهم في رفد الثقافة الوطنية بعطاءات وإصدارات متنوعة، وأن يكون المنتدى رائدا في مجال الحوار الثقافي ويتناول مواضيع وقضايا جادة، وأن يتحول لملتقى ثقافي يجمع المهتمين بالشأن الثقافي على المستوى الوطني.

 

نص الحوار مع مجلة ”سيدتي“، نشر بتصرف في العدد 2012 الصادر بتاريخ 28 - 9 - 2019م