آخر تحديث: 17 / 11 / 2019م - 12:24 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الزواج المبارك

عبد الرزاق الكوي

أم الؤمنين السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد بن أسد الأسدي، أمها فاطمة بنت زائدة بنت الأصم العامري، ولدت في مكة المكرمة، خمسة عشر عاما قبل عام الفيل، أي ثمانية وستين عاما قبل الهجرة النبوية الشريفة، ذات حسب ونسب وكان أبويها من اعرق بيوت قريش نسبا، وأعلاهم حسبا نبتت في بيت واسع الثراء ملتزم بالأخلاق الفاضلة والتربية الرصينة، تلتقي بنسبها مع النبي صلى الله عليه واله، اشتهرت بالجمال والنقاء والزهد والكمال والشرف والأدب صاحبة عقل وتدبير كانت على دين الحنفية ولم تعبد الأصنام، كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وسيدة قريش وهي في الاسلام صديقة هذه الأمة.

وصفها أبو طالب :

﴿إن خديجة أمرأة كاملة ميمونة خطبها ملوك العرب، ورؤساؤهم، وصناديد قريش، وسادات بني هاشم، وملوك اليمن، وأكابر الطائف، وبدلوا لها الأموال، فلم ترغب في أحد منهم، ورأت أنها أكبر منهم.

تزوجت من الرسول صلى الله عليه واله وسلم في 10 ربيع الأول، قبل الهجرة بخمسة عشر سنة، وكانت في عمر الأربعين، وكان عمر النبي الأكرم خمسة وعشرون عاما، ولم يتزوج غيرها في حياتها حتى توفيت، كان النبي صلى الله عليه واله يحبها حبا جما، وكان يكثر ذكرها ويخصها بالثناء والعرفان قال عنها:

﴿لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقت مني الولد.

اختار الرسول صلى الله عليه واله، هذه المرأة بعناية من الله سبحانه وتعالى لتكون له العون في حياته الرسالية، وام للسلالة المشرفة من نسل الرسول الأكرم، عاشت سنوات المحن والقحط والحصار، لم تضعف ساعة، ولم تشتكي يوما مما اصابها، فبعد الحياة الرغيدة والمال الوفير وصل بها الحال حبيسة شعاب ابي طالب، بل انفقت مالها وكل ماتملك من أموال التجارة الطائلة في سبيل الله تعالى بطيب نفس ورضا وقناعة، وانتصر الاسلام ورسخ قواعده بسيف علي ومال خديجة ، عانت وقاست الكثير من الاذى ومقاطعة نساء قريش لها، فكان لها هذا الشرف العظيم وزادت شرفا أن ضمت الرسول صلى الله عليه واله بفيض حنانها وطيب اصلها، وبتعظيمها للنبي الأكرم، قال في حقها الرسول صلى الله عليه واله: ﴿لم يرزقني الله أفضل من خديجة ابدا

كان حياتها مع الرسول صلى الله عليه حبا متبادل وتقدير لا يوصف، حياة كريمة تعتبر أنموذجا مشرفا وناجحا في كيفية حسن التبعل، حريا ان تتخذ مثال للتضحية والعطاء اللامحدود لسعادة وخدمة الزوج، فلم ينسى الرسول صلى الله عليه واله هذا العطاء والتضحية والحب، فرغم مرور السنوات الطوال على فراقها كان يتذكرها وتذرف عيناه بالدموع، يمتدحها كل ما جاء ذكرها ويتذكر الأيام الجميلة معها حياة هانئة كانت تعاملها مثال للأدب يليق بتربيتها ويليق بصاحب الرسالة، بدون منغصات او تكتلات او احزاب.

قال رسول الله صلى الله عليه واله: ﴿خير نسائكم الهينة اللينة، المؤاتية، التي إذا غضب زوجها لم تكتحل بغمض حتى يرضى، وإذا غاب عنها زوجها حفظته في غيبته فتلك عاملة من عمال الله وعامل الله لا يخيب هكذا كانت خديجة ، وهذا ما وفرته السيدة الفاضلة ام المؤمنين خديجة للرسول صلى الله عليه واله في ظل اوضاع مأساوية وأذى مستمر من قريش، كان المدافع عنه خارج البيت عمه ابو طالب وابنه علي ، وداخل البيت المرأة الصالحة والمجاهدة العظيمة توفر السكن المريح والاستقرار النفسي تهون عليه ما اصابه من ظلم وجبروت قريش.

قال تعالى:

﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

كانت خير سند أعطت المشاعر الصادقة لم يسمع منها الرسول الأكرم الا الطيب من الكلام، تستقبل الرسول صلى الله عليه واله عند رجوعه افضل الاستقبال بصدرا رحب وخوفا ان يصيب الرسول الأكرم اي مكروه، لم يكتب التاريخ عنها الا طيب الكلام وحسن المعاملة والأخلاق الكريمة.

جراحات السنان لها التئام ولا يلتأم ما جرح اللسان

انتج هذا البيت العظيم والسعيد المشرق بالإيمان ورضى الرحمن سيدة نساء العالمين فكان النسل الطاهر المطهر للرسول صلى الله عليه واله من اعظم النساء السيدة خديجة الى الأعظم على نطاق نساء العالمين الصديقة الطاهرة فاطمة التي قال عنها الامام علي :

﴿فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها من بعد ذلك على أمر حتى قبضها الله عز وجل إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمر، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الغموم والأحزان بنظري إليها.

واستمر النسل الطاهر بولادة سيدي شباب اهل الجنة، فكان هذا البيت العامر والتي تربى فيه الامام علي عندما تكفل بتربيته الرسول صلى الله عليه واله في بيت خديجة ، فاليوم تنعم الانسانية بهذا النسل المبارك.

قال رسول الله صلى الله عليه واله:

﴿كمل من الرجال كثير ولا يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، آسية بنت مزاحم، خديجة بنت خويلد، فاطمة بنت محمد بن عبدالله.

فالتاريخ لم يعطي هذه السيدة العظيمة قدرها بخست مكانتها وقلة الكتابة عن عطاءها المشرق من التحليل والبحث، بما قدمت واعطت وضحت وسكنت في قلب سيد البشرية، فجديرا ان تحب بكثر ما احبها رسول الله صلى الله عليه واله ودمعت عيناه حزنا على فراقها.

ستظل هذه المرأة العظيمة والسيدة الجليلة رمزا مشرفا وحيا في سجل المرأة الصالحة والفاضلة، تبقى قدوة على مر العصور يتبع خطاها من اراد الوصول للكمال، فكانت صاحبة مال وثراء، لم تنفقها في متاع الدنيا وكماليات الحياة والزخارف المزيفة، استثمرت هذا المال في رضا الرحمن ولهذا كانت من خير نساء الارض.