آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:37 م

كنزٌ ثمينٌ

فاطمة مهدي مويس

صورة لنص فاطِمة مهدي مويسإليك يا جدِّي أولًا،،

أعلمُ أنّ والدتي ستقرأُ لك ما خطّتهُ مشاعري، وستضحكُ قائلاً:

- أفاطمةُ ابنتي التي كتبت هذا الكلامَ؟!

بالطبعِ، أجبتُه بكلِّ نشوةٍ:

- نعم، أنا يا جدّي.. إلى يدك المُشابهة للخريطةِ، وإلى تلك الحكايات المرتّلةِ في فمك؛ فالدليلُ واضحٌ.. والصورةٌ في عينيك مرسومةٌ يا جدي.

نعم، كتبت؛ وحُقّ لي أن أكتبَ.. أكتبُ إلى كلِّ تلك الحكايات التي وهبتنا إيّاها.

أمّا أنت يا جدِّي العزيزَ عبد اللهِ، أبا والدي الحبيبِ -؛ فما تزالُ حكاياك تُوقظني دون معرفةٍ منك؛ ولأنّني أهتمُّ حقًا بما تقولُ، وضعتُ أُذني في مخبأتك، فسارت معك؛ لتأخذَنا إلى كلِّ حكايةٍ قديمة.

وللأسف، تُصيبني الخسارةُ في قصصك، ويساورني الندمُ؛ لأنَّني أفقدُها باستمرارٍ؛ وما أعنيه هنا أنَّها حكايةٌ ذهبت مع الأيامِ دون حفظٍ، أو اهتمامٍ.

سأخبرُك الآن:

- أنا أهتمُّ كثيرًا بذاك الحمارِ، وشغوفٌ أن أعلمَ حكايتَه بكلِّ تفاصيلِها؛ فأنا أجهلُها، أو نسيتها، ولكن سمعته خِلسةً منك ذات مرَّةٍ: إنّك أخذته بمبلغٍ زهيدٍ.

وأهتمُّ أيضًا بسماعِ حكايات النخلِ، تلك الحكاياتُ الممزوجةُ برائحة الليمون من كفّيك.

وأتساءلُ دائمًا:

- كيف تروي حكاياك يا جدي بهذه الطريقةِ الخلَّابة المبهِرة؟!

تساءلت مِرارًا وتكرارًا، وحقيقةٌ لا أحد يعلمُها - طريقةَ سردك لتلك الحكاياتِ -؛ فأنت أعجوبةٌ في عصرنا، نحتارُ في تفسيرها، وإدراك أسرارها العجيبة!

إنّ كلَّ ما يرتّلُه جدي على آذاننا يُدهشنا!

لا أُخفي عليك؛ فلقد تصوّرتك ذاتَ مرةٍ كالكنزِ الثمين، أو ما شابه الكنزَ من كلِّ غالٍ نفيس.. لستُ أملُك شيئًا أقدِّمُه لك سوى هذه الأحرفِ البسيطة، ولأوَّل مرة أرى الحروفَ قليلةً لا توفيك حقَّك، أو تكافئَ قدرَك.

جَدي،

أحبُّ تجاعيدَ وجهك، ولا أنفرُها؛ فأنا أرى في تجاعيدِه حكاياتِ الماضي التي نُرهفُ السمعَ لها، ونستعذبُ حواراتها، وصراعاتِها.

جدي،

أحبُّ الخرائطَ المرسومةَ على كفّيه؛ بالتأكيد لها سرٌّ دفينٌ!

نحنُ عائلةُ - مجتمعًا مترابطًا - لا نبوحُ بأسرارِنا لأحدٍ؛ فكيف نبوحُ بسرِّك يا جدي؟!

لكن - حقيقةً مُقَرَّرةً - جدي الطيّبُ محبوبٌ من قريتنا الصغيرة، وحافظٌ أزقَّتَها كُلَّها.. أعلمُ أنّ كلماتي تتردّدُ الآن في أذني، وتسرحُ بها كثيرًا، فتتذكَّرُ وجهيَ، وطوليَ، وحتّى صوتي.

أقصدُك قصدًا.. نادِني عندما تجولُ حكايةٌ في حنجرتِك، وتركلُ صوتَك حتّى تخرجَ.. نادني؛ لأرى كيف تحكيها، ولأرى زمانًا مضى في صوتِك.. نادني لأرى كم خيطاً مُلوَّنًا خرج من حنجرتِك.

لقد عاهدُّت نفسي أن أرتديَ كلَّ الخيوطِ على عُنقِي، كما عقدُّت النيةَ أن أحفظَ تلك الأحاديثَ جيِّدًا؛ لأنّها كنزٌ لا يُترك؛ والكنوزُ الثمينة لا تُقتَنى، بل تُحفَظ في القلوب، والأفئدةِ.

عجيبٌ كنزُ جدي؛ فما رأينا كنزًا يخرجُ من الحناجرِ إلا كنزَ جدي؛ ولِم لا؟!؛ فأنا - الحفيدةُ - أنهلُ منه منذ زمنٍ بعيدٍ.. وصرتُ أسرقُ من عينيه ما أَوَدُّ معرفتَه.

فعلى سبيلِ المثال:

أستلهمُ حكاياتِ أبي في صِغره، وحكاياتِ جدتي النائمة طويلًا من زمنٍ بعيدٍ، وعن قصة الحمارِ الذي سار بهِ ليلةً كاملةً؛ حتّى يصلَ أخيرًا إلى وُجهتِه، وعن المساءِ العائليِّ الذي قضيته أنت، وأبي، وأعمامي في تزيينِ الحمار، تجهّزون الحِنّةَ لِتطعموهَا قدميه.. أخبرك عَنِّي حقيقةً، فكم تَرُوقُني هذه الحكايةُ كثيرًا، ولو كان الأمرُ بمقدُرتي، ما سمحت لحنجرتك أن تقفَ لحظةً.

أسألُك الأسئلةَ التالية:

- هل يتردَّدُ صوتُك على مُسمعك؟

- هل ترى كيف يُطَيِّبُ صوتُك مسامعَنا؟

أنت أُعجوبةٌ.. وعندي أملٌ يتحققُ يومًا ما في أن أدركَها؛ لأنَّك دائمًا تقودُني للدهشة؛ بفضلِ أُعجُوبتك.