آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:21 م

الهامشية

محمد أحمد التاروتي *

تختلف التطلعات من شخص لاخر، تبعا لمستوى التفكير والنفوذ الاجتماعي، مما يفسر حالة التراخي لدى البعض في مقاومة التحديات الحياتية، والإصرار والتحدى لدى البعض الاخر، في الوصول الى الأهداف المرسومة، فهناك شرائح اجتماعية تفضل العيش على الهامش، والاقتناع بالفتات، انطلاقا من مفاهيم ومرتكزات فكرية مشوشة ”القناعة كنز لا يفنى“ و”لو تسير سير الوحوش غير رزقك ما تحوش“ وغيرها من الأمثال الأخرى ذات المعاني ذاتها، فيما ترفض بعض الشرائح الاجتماعية هذه الامثال بشكل قاطع، باعتبارها ثقافة انهزامية، مما يدفعها لتجاوز الكثير من العراقيل، والحرص على تذليل الصعاب، في سبيل الوصول التطلعات المرسومة، انطلاقا من قناعات تحث على العمل وبذل الجهد على الدوام، ”ان ليس للإنسان الا ما سعى“ و”وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ? وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ“.

النظرة الهامشية بؤرة سرطانية تصيب العقول بالشلل التام، مما ينعكس على الاليات المتبعة للتفكير، وكذلك طريقة التعامل مع الواقع المعاش، بحيث تظهر على الكثير من المواقف الحياتية، من خلال التعاطي غير المسؤول في عملية تشكيل الكيان الذاتي، مما ينعكس على الجلوس في المقاعد الخلفية على الدوام، باعتبارها تحركات إيجابية وحالة من التواضع، والابتعاد عن التباهي، ونوع من الظهور غير المحبذ، وبالتالي فان النظرة الهامشية تترجم لدى هذه الشريحة كنوع من القناعة المطلوبة، الامر الذي ينعكس بصورة على حرمان الكيان الاجتماعي، من الكثير من الكفاءات، ويحول دون تفجير العديد من الطاقات البشرية الخلاقة.

عملية تشكيل الفكري البناء مرتبط بالاليات المستخدمة في الممارسات الحياتية، فالفكر المتحرر والإيجابي قادر على استيعاب الكثير من التحولات، والعمل على تسخيرها بطريقة مثالية، بحيث تظهر على اشكال متعددة من التحركات الإيجابية، لاسيما وان البناء الفكري الإيجابي يعمل على اقتناص الفرص، ومحاولة تحوير التحديات بطريقة مختلفة، مما يدفع للبحث عن الزوايا الخافية للتعاطي باليات مغايرة، من خلال العمل والتفكير بطريقة ”خارج الصندوق“، الامر الذي يفسر مدى الاستفادة الكبرى لدى البعض من الازمات والتحديات الحياتية، وفشل البعض الأخرى في الخروج بتصورات قادرة على تحويل الازمات، الى فرص كبرى على الصعيد الفردي، مما ينعكس بصورة مباشرة على الاطار الاجتماعي.

البيئة الاجتماعية تحدث اثرا كبيرا في البناء الفكري، وتعزيز النظرة تجاه الازمات والاحداث على اختلافها، فالوسط الاجتماعي انعكاسا مباشرا لطريقة التفكير الفردي، وبالتالي فان سيطرة النظرة الهامشية على القاعدة الشعبية، يولد حالة من الخمول والتراخي لدى الفرد، مما يشجع على الهروب وعدم المواجهة للاستفادة من التحولات الكبرى، وتفادي العمل على تسخيرها في الاتجاه الإيجابي، وبالتالي فان تشكيل البناء الفكري الإيجابي لدى البيئة الاجتماعية، يساعد في وضع قطار النظرة الإيجابية على المسار الصحيح، حيث يشكل المجتمع قاعدة صلبة للانطلاق لمواجهة النظرة الهامشية، ورفض مختلف اشكال المبررات الداعمة، لتكريس هذه الثقافة القاتلة في عقول الافراد، نظرا لخطورتها على ديمومة العطاء، وقدرتها على تعطيل التفكير، وقتل الروح المقاومة، ورفض شتى اشكال الركون للواقع المعاش.

القضاء على النظرة الهامشية عملية أساسية، لتكريس واقع مختلف في البناء الفكري السائد، بيد ان الوصول الى النظرة الإيجابية يتطلب الكثير من الجهد، ويستدعي تجديد بعض المفاهيم المتجذرة في الثقافة الاجتماعية، لاسيما وان المعركة تأخذ طابعا ثقافيا بالدرجة الأولى، مما يفرض انتهاجات وسائل قادرة على إعادة استنهاض المرتكزات الفكرية السائدة، بحيث تخلق ثقافة اكثر قدرة على امتصاص ردات الفعل ”الهامشية“، والعمل على وضع الأطر البديلة والمناسبة، بحيث تأخذ في الاعتبار القدرات والإمكانيات المتاحة، انطلاقا من مبادئ ”لا يكلف الله نفسا الا وسعها“، مما يسهم في احداث حالة من التوازن، والحرص على اتخاذ قاعدة ”لا ضرر ولا ضرار“، لتفادي الدخول في متاهات خطرة، لا تصب في مصلحة احداث تغييرات حقيقية، في الثقافة الاجتماعية تجاه النظرة الهامشية.

كاتب صحفي