آخر تحديث: 19 / 1 / 2021م - 1:33 م

زَلَّةُ لِسَانٍ أَمْ لَفْظُةُ قَلْبْ

الدكتور أحمد فتح الله *

زَلَّةُ لِسَانٍ أَمْ لَفْظُةُ قَلْبْ[1] 

رغم أن ”زلات اللسان“ «قد» تسبب حرجًا أو أذىً أو ضررًا لسامعها ومن ثَمَّ لملقيها، هي ظاهرة لغوية وسلوك بشري طبيعي، وتشير الدراسات إلى أن في كل ألف كلمة يتلفظ بها الشخص يرتكب خطأ أو خطأين، وأن متوسط كلمات الحديث العادي يبلغ 150 كلمة في الدقيقة، معنى هذا أن لسان الإنسان يَزِّلُ كل سبع دقائق من الحديث المتواصل؛ وعليه يلفظ كل إنسان يوميًّا ما بين 7 و22 هفوة لفظية أو زلة لسان. لكن السؤال المهم للعلاقات الاجتماعية هو: ”هل الهفوة اللفظية «زلّة اللّسان» دليلٌ دامغ على موقف حقيقي أو شعور مكبوت في داخل صاحبها؟ أم مجرد خطأ لفظي طبيعي؟“ للإجابة على هذا السؤال لا بد أن نعرف كيفية وأسباب ”زلَّة اللِّسان“. يوجد تفسيران لهذه الزَّلَّات، الأول، وهو التقليدي، قدمه علم النفس والثاني يقدمه علم اللغة، وقبل الكلام في هذين التفسيرين، أرى من المفيد أن نأخذ جولة سريعة في المعاجم العربية حول مفردة ”زَلَّة“، حيث لا تقتصر أهمية المعجم على كونه مرجع للبحث عن معاني الألفاظ، فالمعجم مخزنٌ لثقافة أُمَة ومعارفها المختلفة.

زَلَّةُ اللِّسَان في المعاجم العربية

زَلّة، مفرد وجمعه زلاَّت، وهو اسم مرَّة من زلَّ/زلَّ عن زلَلْتُ، يَزِلّ، ازْلِلْ/زِلَّ، زَلاًّ وزُلُولًا، فهو زالّ، والمفعول مَزْلُول عنه، وتعني سقطة، عثرة، خطيئة ومعصية.

زلَّت قدمُه: زلِقت ولم تثبُت «معظم المعاجم العربية»، والانزلاق عفوي لعدم التثبت «معجم العربية المعاصرة».

زَلَّ لِسانُهُ: اِنْحَرَفَ بِهِ بِما لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُهُ، تَلَفَّظَ بِما لا يُريدُ قَوْلَهُ «معجم الغني».

لكن:

زلَّ عن المكان: تنحّى عنه «معظم المعاجم العربية»، أي أنه فعل مقصود.

زلَّ الشَّخصُ: أخطأ وانحرف عن الصّواب «معظم المعاجم العربية» أي أنه فعل بوعي.

الزلة دلالة على وجود قواعد أو نهج أو «سكة»

الزَّلَّةُ: الْخَطَأُ، لِأَنَّ الْمُخْطِئَ زَلَّ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ «مقاييس اللغة».

زلَّ القطارُ: خرج عن سِكَّته «معجم العربية المعاصرة».

الزلة مرتبطة بالسرعة

زلَّ الفرس زليلًا: أسرع. «لسان العرب»، زَلَّ «الشيء»: مرَّ سريعًا «المعجم الوسيط، معجم الغني، معجم الرائد».

أزل: سريع، وقوسٌ زَلاَّءُ: يَزِلُّ عنها السهمُ بسرعةِ خروجهِ «المعجم الوسيط»، ولِسُرْعَةِ خُرُوجِهِ «لسان العرب».

الزَّلة دلالة على وجود قواعد أو نهج

الزَّلَّة: الْخَطَأ، لِأَنَّ الْمُخْطِئَ زَلَّ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ «مقاييس اللغة»

الْفَمُ زَلُول: مكان يَزِلُّ فيه اللسان

الزَّلُول: الْمَكَانُ الَّذِي تزِلُّ فِيهِ القَدَم «لسان العرب»

الحكم على الزلة من باب:

أ» فحشها أو قبحها لا من طبيعتها

وزَلَّ الرَّجُلُ زَلَّةً قبيحةً، إذا وقع في أمر مكروه أو أخطأ خطأً فاحشًا.

ب» مُصْدِرها «صاحبِها»

ومنه قولهم: ”نعوذ بالله من زلَّة العالم“ «جمهرة اللغة»

التعامل الطبيعي مع الَّزلَّة

في معجم العين «الخليل الفراهيدي»: وإذا زلّ في مقالٍ أو نحوه قيل: زلّ زلّة وزلَلًا، قال سليمان بن يزيد العدوي:

وإذا رأيت ولا مَحالةَ زلَّةً....فعلى صديقك فضلَ حِلْمِك فارْددِ

بعد هذه الجولة السريعة في المعاجم العربية وما فيها من معارف ماتعة نافعة حول الزَّلَّة، كمفردة، وظاهرة زلة اللسان، أتناول ما يقوله علم النفس وعلم اللغة عن طبيعتها وأسبابها.

التفسير النفسي

سيغموند فرويد في كتابه ”علم أمراض النفس في الحياة العادية“ «1901» يصف زلات اللسان بأنّها ”خلل إجرائي“، ويعتبرها بمثابة مرآة تكشف أفكارًا أو دوافع أو أمنيات دفينة في اللاوعي، فهي، بعبارة أخرى أفكارًا أو مشاعر ورغبات في اللاوعي تخرج إلى النور عبر خطأ لغوي. وفي الكتاب يعدد أمثلة تبين، حسب منطق فرويد، أن كُلُّ زلات وهفوات الكلام، لها بعد داخلي أعمق من كونها زلة أو هفوة، فهي نتيجة لتراكم وتسلسل أفكار عدة ونتائج نقلها العقل الواعي إلى منطقة اللاوعي التي هي خارجة عن مجال سيطرة العقل. أي أن فرويد يشير إلى ”زَلَّة اللسان“ هي الأكثر تعبيرًا عن دواخل الشخص مما يعكسه سلوكه الواعي، لذا عرفت ب ”الزَّلَّة الفرويديًّة“ «Freudian Slip»، وبينما يستحضر البعض زلات اللسان ”الفرويدية“ لشرح سلوكيات غريبة ومحرجة، تم رفض فرضيته من قبل كثير من علماء النفس وعلماء اللغة القدامى والمعاصرين.

التفسير اللغوي

بينما أصر فرويد على أن زلات اللسان تمثل أفكارًا أو دوافع مكبوتة، قال عالم اللغة النمساوي، رودولف ميرينجر «Rudolf Meringer»، المعاصر لفرويد، إنها مجرد تحولات عرضية للوحدات اللغوية، وتحديدًا ”مجرد أخطاء عرضية في مسار الجملة، أو تداخل ألفاظ بعضها في بعض، أو أخطاء في بنية الكلمات مثل لخبطة حروف الكلمات“. بالنسبة إلى ميرينغر، الذي أصدر مجموعتين من الحوادث اللفظية، فإنَّ ”الخطأ هو خطأ والموزة هي موزة ولا يقصد بها أمر آخر“، ويبدو أن علماء اللغة اليوم «على سبيل المثال، فيكتوريا فرومكن، آن كتلر، دونالد ماكي، مايكل موتلي وبرنارد بارز» [2]  يميلون إلى اعتماد تفسير ميرينغر لزلات اللسان، فقد ركزت الأبحاث الأخيرة على عملية إنتاج اللغة، لاسيما كيفية قيام الدماغ بترجمة الأفكار إلى كلمات. في حين خلصت الباحثة اللغوية ألما جفتيك، في دراستها التجربية، إلى أن الناس أقل عرضة للالتزام بالمبادئ الفرويدية للدوافع اللاواعية من وصف الزَّلَّات كأخطاء عادية، وهو ما يتماشى مع فكرة ”التحولات العرضية“ لميرينجر، علماء علم اللغة، على سبيل المثال، ديفيد كارول، وعلم النفس المعرفي، على سبيل المثال غاري ديل، يؤكدون أن زلَّات اللسان تكشف في الواقع عن قدرات الشخص ومهاراته في استخدام اللغة ومكوناتها[3] ، وفي رأيهم، فإنَّ المفاهيم والكلمات والأصوات تربطها ثلاث [3]  شبكات عصبية موجودة في الدماغ: شبكة المضمون الدلالي «شبكة المفردات» شبكة الترجمة الصوتية، والكلام ينتج عن تفاعل هذه الشبكات الثلاث في ما بينها، إلا أنّه «أحيانًا» يحدث خلل ما في عمل هذه الشبكات يؤدي إلى تخبطها ببعضها بعضًا؛ فينتج عنها ”زلة اللسان“.

إذا أراد شخض أن يعبر عن ”كلمة ما“، فإن دماغه يسارع إلى تشغيل شبكة المضمون الدلالي، التي تحتوي على آلاف المفردات في معجمه الذهني «mental lexicon»، والذي هو جزء من المعجم اللغوي العام الذي لا يمكن لأي شخص أن يلم به كاملًا، وللوصول إلى هذه الكلمة المرادة يتم تشغيل موصلات عصبية عدة لاختيار الكلمة ذات المعنى الأقرب ووضعها في إطار الجملة المستخدمة. بعد ذلك، تقوم الشبكة الصوتية بتشغيل الأصوات كافة الدالة على هذه الكلمة «صوت لحرف الأول حتى بقية حروفها». وحتى تكون الكلمة ”المطلوبة“ مستخدمة بشكل صحيح في الجملة، فإن شبكة اللغة «المفردات» تبدأ عملها لاختيار الكلمة التي تكون من ناحية القواعد صحيحة في الجملة، وأثناء هذه العملية المعقدة، يحدث أحيانًا أن تبدأ الشبكة الصوتية عملها قبل أوانها، فيتم انتقاء حرف قبل الآخر، كأن يستخدم حرف القاف بدلًا من حرف العين، أو حرف الدال بدلًا من حرف الشين، أو ”كلمة“ كاملة أخرى بدلًا من المطلوبة، فتظهر ”زلة اللسان“ أو الهفوة.

ماذا بعد؟

لدى جميع الشعوب واللغات حكم وأقوال متوارثة تشدد على ضرورة ”صون“ اللسان و”لجمه“ والانتباه إلى كل ما يتلفظ به الإنسان، حتى لا يقع في الخطأ ويرتكب الهفوة التي قد ينجم عنها الكثير من المشكلات، لكن علم اللغة الحديث يؤكد أن هذا ”الأمر المثالي“ لا يمكن تحققه تمامًا لطبيعة معالجة اللغة في أدمغة البشر، ولنوعية العلاقة المتداخلة بين الوعي واللاوعي، وصعوبة الكشف عن ”نوايا“ المتكلمين واقعًا والتحكم في مقاصدهم[4] .

وفي الختام، قبل محاكمة ”الزَّلَّات اللِّسَانِيَّة“ عند الغير على المرء أن:

- يعلم أن بعض المتحدثين أكثر عرضة لأخطاء الكلام من غيرهم.

- هناك علاقة قوية بين ”أخطاء الكلام“ والضغط النفسي، من جهة والقلق والتوتر من جهة أخرى.

- يعلم أن ليس كل زلات اللسان تنتج عن أفكار مكبوتة؛ فرويد لم يكن محقًا أو مصيبًا في كل أو معظم استنتاجاته، كما ذكر منتقدوه ورافضوا نظريته، قديمًا وحديثًا.

- الزَّلَّات، في أغلبها الأعم، غير متعمدة ولا يقصد منها في الظاهر الإساءة أو الإهانة أو التقليل من الآخر، وإن كان السلوك اللاواعي «لغوي أو جسدي» قد يعكس دواخل الشخص ورغباته الدفينة، فكيف يتم التحقق من النِّيَّات؟، وإذا كان هذا غير ممكن، فكيف يتم الحكم على الناس؟

- يتصالح مع نفسه ويعترف ببشريته الخطَّاءة، وسطوة اللغة عليه وعلى غيره.

- يظن بالناس خيرًا، ويتدين بالعفو والتسامح، بعد تقصي الأعذار لهم، وخلقها إن لم يجد.

[1]  هذه المقالة عرض مبدئي ومكثف لدراسة تحت الإعداد.

[2]  ساهم هؤلاء العلماء وغيرهم في تجميع وتصنيف ودراسة زلَّات اللسان، مما ساعد في فهمهما وتحديد طبيعتها وأسبابها.

[3]  زلات اللسان لعبت، ولا زالت تعلب دورًا رئيسيًا في تطوير ”نماذج إنتاج الكلام“ «Models of Speech Production»، في محاولة لفهم هذه العملية التي هي أكثر تعقيدًا مما «كان» يظن.

[4]  هذا، مع كون اللغة «أو الكلام» عملية معقدة، كما ذكر في هامش رقم [2]، هناك بعض الأخطاء غير عفوية ولها مقاربة مختلفة أحاول أن أعرج عليها قريبًا، ولو باختصار، رغم سيولة بعض المفاهيم في الموضوع، ودقة الفوارق بينها.
تاروت - القطيف