آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 12:34 م

في العزلة تعرف القاص السعودي حسين السنونة إلى الكثير من المثقفين والشعراء وكتاب القصة في العالم العربي.

السنونة: الصوت النشاز هو الأعلى والأكثر حضورًا

جهينة الإخبارية عاطف محمد عبدالمجيد

حسين عبدالله السنونة، قاص وروائي سعودي يعيش في جزيرة تاروت، يعمل في الصحافة منذ سنوات طويلة، له العديد من المجموعات القصصية منها ”آخرون كانوا هنا“، ”ثرثرة خلف المحراب“. ويعكف الآن على كتابة روايته الأولى ”عبدالناصر والخميني في جزيرة تاروت“. بمناسبة قرب صدور مجموعته ”ملك الموت لا يتحدث العربية“، حاورت السنونة لأسأله عن القصة القصيرة وعن الكتابة في زمن العزلة وقضايا أدبية أخرى.

بدايةً سألته عن تفاصيل يومه أثناء العزلة التي فرضها، ولا يزال، فيروس كورونا على الجميع، فأخبرني أن العزلة بالنسبة له ليست شيئًا جديدًا، فقبل كورونا كان شبْه منعزل ما بين الكتب والكتابة. كما كان حريصًا على حضور بعض المناسبات الثقافية، خاصة في عالم القصة القصيرة، وأيضًا اختيار أحد معارض الكتاب في العالم العربي. وقد زار مصر في مطلع 2020 أثناء انعقاد معرض القاهرة للكتاب. مضيفًا قائلًا لي أن تكون في حالة عزلة خارج اختيارك ففي هذا شيء من الصعوبة، وفي الوقت نفسه شيء من المتعة.

في العزلة تعرف السنونة إلى الكثير من المثقفين والشعراء وكتاب القصة في العالم العربي، وتم ربط علاقات إنسانية وثقافية بينه وبينهم، وأيضًا استطاع أن ينجز مجموعة قصصية جديدة ”ملك الموت لا يتحدث العربية“ والآن يعمل على إنجاز رواية بعنوان ”عبدالناصر والخميني في جزيرة تاروت“.

وهنا يتمنى السنونة من البشرية أن تستفيد من تجربة فيروس كورونا، فما يحدث يعطي مؤشرًا ورسالة للإنسان لأن يفكر في نفسه وفي مَن حوله، وقبل كل شيء علاقته بالخالق سبحانه. الجميل أيضًا، قالها لي، إننا اكتشفنا مدى الحب الكبير ما بين الوطن والمواطن من خلال قضايا المبادرات الاجتماعية، وأيضًا عرفنا قيمة ملائكة الطب وكيف أن أيديهم تنقد من يلعبون بأقدامهم.

جزيرة تاروت هي جزيرة سعودية تقع في الخليج العربي، وتتبع إدارياً محافظة القطيف إحدى محافظات المنطقة الشرقية

حين سألت السنونة عن إذا ما كانت أزمنة الجوائح قد تعمل على تغيير طريقة الكتابة وموضوعاتها، أجابني قائلًا إنه بالنسبة له لا، إذ وضع أمامه هدفًا للكتابة، وهو القضايا العربية، والإنسان العربي، أحلامه وأمنياته، ألمه وأوجاعه، طموحاته في أن يعيش في حب وسلام، معتقدًا أن الكاتب المبدع سواء أكان شاعرًا أم قاصًّا أم روائيًّا، فهو يحتاج إلى أن يثور على كل شيء يسبب تأخرًا في التطور والتقدم الإنساني. وهناك قيود من العادات والتقاليد، عقبة وقيد، لكن بالكتابة والحوار والحرية تتغير ويتغير معها كل شيء، إذا كان الإنسان مهمًّا، كان عليه أن يكون مختلفًا وأن تكون له بصمته على الأرض قبل أن يرحل. أن تكتب، أن تصرخ، أن تبكي، فأنت موجود. لكن كل ذلك لا يكفي، لا بد أن يكون ما تكتب مختلفًا وصرختك مختلفة. المشكلة الآن هي أننا نعيش في زمن الخوف الذي يمسك بالأرواح والأنفس، خاصة مع ما يحدث في العالم العربي من أزمات ومشكلات وقضايا كبرى، نعم هناك خوف ورعب من القادم، لكن ورغم كل ذلك سنبقى نكتب ونفرح ونبكي ونضحك.

كنت أريد أن أعرف طقوس السنونة لحظة جلوسه إلى الكتابة، لذا سألته هل يفرض على نفسه نوعًا من العزلة حين يكتب؟ أم يمكنه أن يكتب في أي مكان، فبادرني بقوله: لا.. أبدًا، يبقى النص القصصي في ذاكرتي أيامًا، وربما شهورًا، ثم تأتي اللحظة التي نجلس مع بعضنا البعض، ويولد النص وأحاول أن يكون مختلفًا، خاصة في الطرح والقضية والهدف.

بالنسبة للسنونة النوع أهم من الكم، فهو يكتب في مكتبته المنزلية، أو أثناء جلوسه في المقهى المفضل. لديه مقهى ”الصندوق الأسود“ وقد كتب عدة نصوص في المقهى وكان أهمها وأجملها ”فنجان أسود ورقصة عجوز“ و”أشتاق للعناق فأستيقظ“.

السنونة يرى أن النص لا يحتاج إلى هدوء طقوس وكوب من القهوة السوداء، أو كوب شاي ساخن، هي لحظة تجتمع فيها الفكرة والقلم والورق والحضور الذهني.

حين طلبت منه أن يحدثني عن مجموعته ”ثرثرة خلف المحراب“ التي صدرت مؤخرًا وهل هو نتاج العزلة؟ أم ما قبلها، راح يقول لي: هي قبل العزلة بسنوات ولكني تأخرت في الإصدار بسبب العمل الصحفي والمتابعة للمناسبات الثقافية والمهرجانات في عالم القصة والرواية والنقد، وحضور المهرجانات في خارج البلاد، مثل مصر والإمارات والكويت وغيرها. وهو ما يسرق منك الوقت والراحة والتفكير في نفسك. أنت مُطالب بملاحقة عالم الثقافة. ولكن مجموعتي التي على وشك الطباعة إن شاء الله هي ”ملك الموت لا يتكلم العربية“ وجاءت في عالم وزمن العزلة.

هنا لم أفوّت الفرصة لأسأل السنونة عن كيفية نظره إلى القصة القصيرة في ظل سيطرة الرواية على المشهد الإبداعي، فقال إن القصة القصيرة في السعودية تعيش هذه الفترة مرحلة ازدهار، بل كانت تنافس الشعر في أوقات متفرقة، خاصة مع وجود الأندية الأدبية التي قامت بطباعة وإصدار الكثير من المجموعات القصصية، مما ساعد على انتشار الفن القصصي. أيضًا وجود مسابقات قصصية، وكذلك إقامة مهرجانات، خاصة بالقصة القصيرة، كل ذلك إلى جانب عوامل أخرى، ساعد في حضور القصة القصيرة بشكل واسع وكبير. هناك نصوص قصصية تعبر بشكل رائع وجميل عن الواقع السعودي، ولكن أعتقد أننا بحاجة إلى حركة نقدية قوية، تستكشف مكامن القوة والضعف في النصوص القصصية، وهنا هي المشكلة، تلك المسافة المنقطعة ما بين القاص والناقد. نحن بحاجة إلى نصوص قصصية تترك انطباعًا وتأثيرًا لدى القارئ، وهذا لا يأتي إلا بطرح موضوعات جوهرية وقوية وجديدة تمس القارئ من الداخل، وليس صحيحًا ما يقال عن سيطرة الرواية على المشهد، والبعض يقول إن القادم هو عالم القصة القصيرة.

أيضًا سألت السنونة عن تريّضه وحبه له، وهل يفيده هذا في الكتابة، أم هو لسلامة الجسم ومن ثم سلامة الإبداع، وهنا كان رده هكذا: الرياضة حياة ومتعة وتجديد لكل ما يحتويه جسدك، وتجدد النشاط. ممارسة الرياضة مفيدة لكل شيء وسلامة لجسدك، وإن كبرتَ في العمر وأنت تمشي على قدميك أفضل من عكاز خشبي أو حديدي.

سألته كذلك عن عمله بالصحافة وتأثير عمله بها على كتابته الإبداعية، فأجاب: بالنسبة لعملي في الصحافة فأنا دخيل على الصحافة، أو بالصدفة دخلت الصحافة، ولكني تعلمت على أيدي الكثير من الصحافيين المتميزين، ولم يكن يشغلني العمل الصحفي عن الكتابة الإبداعية، أو العكس، بل ما كان يشغلني هو مستقبل أولادي وأسرتي، المدرسة، الجامعة، البيت، المصروف، أن تكون حياتهم أفضل وأجمل من حياتي، ألا يعانوا مثلي، ألا يشعروا بالانكسار في الحياة، وأنهم أقل من الآخرين. هناك خوف في الروح والنفس يتزايد يومًا بعد يوم، خاصة أننا نعيش في عصر أصبح كل شيء فيه مباحًا. أصبحنا متبلدي الإحساس لما يحدث حولنا، لم يعد الموت والدمار وفقراء الأرض يثيرون أي مشاعر فينا، ولربما بعض نصوصي القصصية كانت تتحدث عن هذه الأمور.

العمل في الصحافة لم يكن له تأثير على إبداع السنونة، وربما التأثير الوحيد، يقول، هو التأخر في إصدار أعماله وطباعتها.

طلبت من السنونة أن يصف لي 2020 الذي أطلق عليه عام الكورونا، فراح يصفه قائلًا: هو عام الانكشاف لعورات الكثير من البشر، سقوط من كنا نراهم عظماء وخاصة في عالم الثقافة والفكر والأدب، ولكن دائمًا أقول إن القادم أجمل، فكل ما يحدث هو بعين الله سبحانه وتعالى.

سألته كذلك هل فكر في كتابة الرواية، أم يكتفي بالقصة القصيرة، فرد بقوله إنه قبل أيام كان في نقاش مع الأصدقاء من كتاب القصة القصيرة عن الدخول إلى عالم الرواية، البعض يرى أن نبقى أوفياء للقصة، والبعض يشجع على الخوض فيها، مضيفًا كما قال لي في إجابة سابقة أنه الآن يستعد لكتابة الرواية الأولى ”عبدالناصر والخميني في جزيرة تاروت“ وهي تحكي عن التحولات التي حدثت في جزيرة تاروت مسقط رأسه وتحول الكثير من الفكر القومي والبعثي والشيوعي إلى الديني، بل إن صور عبدالناصر استبدلت في الكثير من الأماكن بصورة الإمام الخميني، أخبار فلسطين واحتلال الجولان، وغيره من الأحداث جعلته يرى جحافل من الوحوش البشرية تظلم بعضها البعض، بكل أنواع الظلم سواء أكان ظلمًا مباشرًا أم غير مباشر.

وقبل أن أنهي حواري مع حسين السنونة سألته: ”كيف ترى دور الكتابة والإبداع في حياة الإنسان؟“. وكانت إجابته: هي اللحظة الصادقة التي يشعر بها الإنسان أنه إنسان، هي المتنفس الوحيد للإنسان ليعبر عما يراه ويشعر به، هي اللحظات التي يستطيع أن يقول فيها من هو وأين هو وماذا يتمنى أن يرى في عالمه، الذي أصبح فيه الصوت النشاز هو الأعلى والأكثر حضورًا.

الكتابة هي سلاح المثقف الوحيد الذي من خلاله يقاتل التخلف والجهل.