آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 1:24 م

حتى لا نصل متأخرين

المهندس أمير الصالح *

قبل سبع سنوات تقريبا، قضيت عدة ايام سائحا في دولة جورجيا. وكان الاستثمار العقاري حاضرا بقوة على لسان المرشد السياحي عند تجوله بنا في مدينة تبليسي وما جاورها. وعلى ضوء الحاح المرشد السياحي في كلامه وترويجه للاستثمار العقاري داخل بلاده، تناقشت معه عن الفرص الحالية والتشريعات الحمائية للمستثمر الاجنبي ومعدلات النمو المتوقعة وسوق العمل وقوة تدوير المال وشواهد تقاطرالاستثمار الاجنبي في بلده والقوة الشرائية لابناء بلاده وقوة العملة وسهولة اجراء تحويل المال من والى بلاده. وبالفعل اخذني المرشد وصديقي عصام في جولة داخل وخارج العاصمة تبليسي واوقفنا على عمائر سكنية يملكها مواطنون خليجيون. ولكون المرشد السياحي موظف متقاعد من جهاز الامن العام هنالك واخوه موظف في امانة العاصمة تبليسي، اطلعنا على مناطق التوجه الرسمي في التوسع العمراني بالعاصمة. فسألت المرشد سؤال صريح: هل نعتبر نحن متأخرين في القدوم الى بلادكم للاستثمار العقاري؟ فاطرق رأسه قليلا وقال: اصدقك القول، نعم. واستطرد قائلا: بمجرد ان استقلت جورجيا عن الاتحاد السوفيتي بعد تفكك دول الاتحاد السوفيتي، انقض المستثمرون الصينيون والاتراك ومن دول غربية متعدده، وتاجر الصينيون والغربيون في الاراض والعقار بشكل خاص. وكانت بعض اسعار الامتار البيضاء تصل الى ما يلامس نصف دولار للمترالواحد داخل النطاق العمراني لبعض المدن الرئيسة الكبرى. ثم انقض المستثمرون الهنود بعد الصينيون، وتلاهم بعض تجار الكويت وتلاهم بعض تجار الامارات وتلاهم القطريون. واثناء حرب الخليج الثالثة نزح بعض العراقيون وضاربوا بالعقار واثناء الربيع العربي نزح بعض المصريون واتجروا بالعقار، وحاليا اي عام 2014 م استثمر بعض السعوديون في عقارات داخل مدينة باتومي وتبليسي ومدن اخرى. هنا شرد ذهني. وتسألت هل أصبح البعض منا يستشعر بانه أخر من يصل لمناطق الاستثمار الجديدة. بالعادة الاخر في الوصول هو الاقل جني للارباح ان لم يكن هو من يعلقون الجرس عليه فيكون الضحية بينما مضى الاخرون لاستثمار جديد وارباح جديدة واستشراق افاق موعودة. انتهت مقدمة الحديث.

عامة الساعين لاستحصال الكرامة المالية، يدرسون الظواهر السلوكية التاريخية في المجال الاستثماري بهدف رسم ادق المنحنيات ووضع افضل التفسيرات واجلاء افضل التحليلات وتوظيف تلكم الامور الفنية والتقنية لاقتناص الفرص المالية وجني ثمارها.

شاهد بعضنا او الاغلب منا اراض باسعار في متناول يده في يوما ما الا انه لم يبتاع، وسمع بعضنا بسلع اساسية بأسعار رخيصة وتباطئ عن اقتناءها او سووف لذلك واغفل البعض الاكتتاب في اسهم شركات اضحت اليوم الرائدة في مجالها؛ وعندما تتدارس مع اولئك البعض من الناس عن الفرص تراه يتنهد ويتذكر الاسعار وفي صوته لحن الندم لقلة العزيمة عنده وضعف صنع القرار لديه او لفقدان التركيز او انصرافه لشي آخر تافه يومذاك او ميوله للجلوس مع السلبيين واصحاب النظرات السوداوية في الحياة او استنزاف مدخراته على ترفيه عابر وفاتت من يديه فرصة او فرص عديدة. كلنا ذقنا طعم فوات بعض الفرص لاسباب مختلفة وقد نكون وصلنا لفهم ذلك بعد طول غفلة.

حتى لا نصل متاخرين، من الجيد اعادة التركيز واستنطاق الفرص المستقبلية استثماريا واخذ زمام المجازفة المحسوبة وتسخير اوقات اكثر في قراءة توجهات الاسواق العالمية والمحلية قراءة استشراقية ذكية وصحبة الزملاء الايجابيين والموضوعيين والابتعاد عن لوم الاخرين في هبوط اي اداء صادر عن ذواتنا وتفادي جلد الذات وتحمل كامل المسؤولية في تبعات اي قرار. ولعل اهم توجه عالمي حالي فيالاستثمار هو الاستثمار في شركات غزو الفضاء حيث الكواكب الجديدة، الى جانب الاستثمار في مجال الطاقة النظيفة والمجال الصحي والمجال التكنولوجي التطبيقي والامن السيبراني. كما كان حال استكشاف الاراض الجديدة في القرن الثامن عشر، حديثا انطلقت مسابر عديدة لاستكشاف الفضاء الخارجي حيث يتوقع العلماء وفرة المعادن النفيسة في الكواكب الجديدة. فان طابقت التوقعات ارض الواقع فان ذلك يجعل مردود الاسثمار في اسهم تلكم الشركات الرائدة في مجال استكشاف الفضاء مضاعف في المردود وان كان به مخاطره. لعل اكبر شركة مدرجة في هذا المضمار هي space x للسيد الون ماسك. وعليه من الجيد متابعة اخبار تلكم الشركات لا سيما الوليدة IPO واقتفاء اثرامثال تلكم الشركات والسعي لامتلاك ولو عدد قليل من اسهمها في بداية انطلاقاتها. فلربما يحالف احدنا التوفيق في شركة تصاعدية الاداء فيتحول دولار واحد الى احدى وخمسون الف دولار بعد عقد واحد من الزمن كما حالف التوفيق حملة العملة الرقمية بيتوكوين. لنصل اولا خير من ان نصل متاخرين وان نصل متاخرين خير من ان لا نصل ابدا. فالوقت له قيمة ومكاسب وتوفيقات حتى في وقت الوصول.

واهمس في اذن الجادين لايجاد الافضل من الفرص، في المجتمعات المتعاضدة والمتآزرة نرى نتائج تآزرهم واضحة وجلية ونموهم الاقتصادي ملحوظ وحفاظ الكرامة المالية فينمو مستمر في وسطهم الاجتماعي. بينما المجتمعات التي يسودها خاصية الانانية وافتقار روح غرس المعلومة النافعة واهدار الاوقات في الامور الغير مجدية والمماحكات الكلامية البائسة وترديد الساقط من السخافات الترفيهية، تزداد يوميا نسبة تدني الكرامة المالية وتتصاعد فيه مناسيب الفقر والتسول والتسكع وضمور الطموح. وحتى لا يكون اي منا وصوله متاخر في اي شي نافع، فلا بأس بتخصيص وقت في البحث والقراءة للاستشراق في الفرص المستقبلية استثمارا او علما، وليكن داخل كل منا مسبار لاستكشاف فضاء اقتصادي جديد في اي بقعة من الدنيا واي مجال شرعي لتحسين مستوى معيشته وتجاوز تكاليف الحياة المتصاعدة.