آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 5:19 م

القطيف.. وثيقة تاريخية تكشف مصير البحارة الغرقى في ”سنة الطبعة“ «فيديو»

جهينة الإخبارية مريم آل عبد العال - القطيف

- الإعصار دمّر مراكب اللؤلؤ وقذف بأجساد الغرقى للساحل.
- جزيرة تاروت استقبلت أكثر من 20 غريقا بحسب وثيقة تاريخية.
- الوثيقة كتبها الشيخ عبدالله المعتوق وكشفت جانبا من حجم المأساة.
- الشاعر أحمد الكوفي كان الناجي الوحيد من بحارة القطيف.

رغم مرور نحو قرن من الزمن لم تغب كارثة ”سنة الطبعة“ عن ذاكرة أهالي الخليج والتي راح ضحيتها آلاف البحارة نتيجة إعصار مدمر أغرق معظم مراكب استخراج اللؤلؤ في الخليج.

ويقصد ب ”الطبعة“ في اللهجة الخليجية الدارجة ”الغرق“ فيقال أن المركب ”طُبع“ أي غرق.

وفي ظل غياب إحصاء رسمي تراوحت التقديرات في أعداد الضحايا بين خمسة آلاف وعشرين ألفا من البحارة العاملين في الغوص من أجل استخراج اللؤلؤ من جميع دول الخليج.

الكارثة التي وقعت مساء 13 ربيع الأول 1344 هـ الموافق 1 أكتوبر 1925م أغرقت ما لا يقل عن 80% من المراكب الموجودة في عرض البحر ليلة الحادثة.

ولشدة تأثيرها في الذاكرة الشعبية ما تزال ”سنة الطبعة“ مفردة حاضرة لدى الأجيال الأحدث رغم مرور نحو قرن على وقوعها.

حداد في القطيف

وأصبحت القطيف في اليوم التالي للكارثة لابسة ثياب الحداد من أقصاها إلى أقصاها، ولم يسلم بيت من ناع وناعية، وكانوا يخرجون الجثث التي يرميها البحر على سواحلها ويوارونها الثرى.

وحصلت صحيفة جهينة الإخبارية على وثيقة تاريخية لم يسبق نشرها كُتبت بخط العلامة المعروف الشيخ عبد الله المعتوق التاروتي، أحصى فيها أكثر من عشرين من البحارة الغرقى الذين قذف بهم البحر إلى شواطئ جزيرة تاروت والذين نادرا ما عرفوا بأسمائهم.

وتعد وثيقة الشيخ المعتوق من الوثائق القلائل التي رصدت جانبا من أحداث ما بعد ”الطبعة“ وإن كان في مساحة جغرافية محددة وهي جزيرة تاروت.

وأشارت الوثيقة إلى المواصفات البدنية للضحايا ولون البشرة والعلامات المميزة في أجسامهم. وتظهر تواريخ الدفن أن البحر استمر في قذف أجساد البحارة الغرقى على مدى خمسة أيام لاحقة.

ومما جاء فيها ”بمحضر من جماعة من أهل تاروت والقطيف والأحساء دفن يوم الجمعة 14 شهر ربيع الأول سنة 1344 هـ مات غريقا“. وأورد أيضا ”أنه بالتاريخ المذكور وجدنا يحيى بن محمد علي شقران غريقا ميتا دفن ليلة السبت 14 ربيع الأول..“.

وكتب الشيخ المعتوق ”وجدنا ولد شباب ابن العشرين سنة تقريبا أسمر اللون إلى خضرة مربوع دُفن ليلة السبت 14 لم تنبت لحيته“.

وأورد أيضا ”جيء برجل طويل بدنه منتفخ ذكر جماعة أنه الحاج علي حسين التاروتي السنابسي ونفاه آخرون والله العالم دُفن ليلة الأحد 15 ربيع الأول“.

وفي موضع فيها أشارت الوثيقة إلى دفن رجلين يوم الجمعة واثنين آخرين ليلة السبت ومثلهم ليلة الأحد وواحد ليلة الإثنين ودُفن سبعة رجال يوم الإثنين ”منهم خمسة بلا أكفان“.

وذكر أيضا ”جيء برجل مسلخ البدن عرفه أبو سندي الأحسائي وسيد جواد ابن سيد درويش ذكرا أنه مجرن الأحسائي“.

وتتابع الوثيقة في ذكر الأماكن التي دفن فيها البحارة الغرقى فمنهم شاب لم يعرف دُفن في ”سيف الرفيعة“ المعروف حاليا بشاطئ الرملة البيضاء، ورجل دفن في الحسينيات «الأرجح أنه شاطئ المحيسنيات»، وأربعة رجال دفنوا في السنابس بلا أكفان.

ويذكر الشيخ المعتوق أيضا ”سمعنا عن اثنين دفنا في الخضر «الأرجح أنه مسجد الخضر المعروف في الربيعية» تولاهما شيخ منصور والذي رأينا في الخضر قبر واحد“.

ويضيف ”أنه رجلان في السنابس سمعنا أن كفنهما من عند حاج سلمان الضامن“. ويتابع القول ”وقد دفن كلا من محمد سعيد الدهان ومحمد رضي بن حسن وناصر بن رضوان دفن ليلة الأحد 15 «ربيع الأول»“

وجاء في موضع فيها أيضا أن هناك أحد عشر من البحارة الغرقى دفنوا بأكفان فيما دفن سبعة آخرين بلا تكفين.

تفاصيل الكارثة

وبحسب الشواهد المثبتة وقعت الكارثة نهاية موسم الغوص أو ما يعرف ب ”القفال“ حين كانت أكثر السفن على المغاصات تستعد للعودة للديار، حين ثار البحر فجأة وتعالت أمواجه، ودفعت الرياح والأمطار السفن من كل الاتجاهات فتلاطمت السفن ببعضها مغرقة أغلب المراكب إلا من كتب الله لها النجاة.

وروى المؤرخ صالح الذكير في لقاء قديم عرضه التلفزيون السعودي، أن حادثة الطبعة تعد من أكبر الكوارث التي مرت على تاريخ الخليج العربي.

وفي التفاصيل، قال الذكير: ”كانت نهاية موسم الغوص، وكان من عادة الغواصين التجمع عند ”القفال“ وهو مصطلح يطلق على وقت انتهاء الغوص، وفيه تتجمع السفن إلى جانب بعضها، ويقوم كبير النواخذة -قائد السفينة- بإطلاق الرصاص للتنبيه بالعودة، إلا أنه لم يتجمع إلا عدد قليل ليلتها، فطلب تأخيرها إلى فجر اليوم الثاني“.

وتابع حديثه: ”بينما هم نيام هبت عاصفة قوية جداً، قلبت جميع السفن، راح ضحيتها 20 ألف شخص في منطقة الخليج بصورة عامة في البحر والساحل، حسب ما ذكره تقرير السلطات البحرينية في ذلك الوقت، ولم ينجو منها إلا عدد قليل لا يتجاوز أصابع اليد، ومنهم شاعر القطيف الشيخ أحمد الكوفي والذي نجا من هذه الكارثة، حيث سبح يوم وليلة حتى وصل إلى القطيف“.

الشاعر الكوفي.. الناجي الوحيد من القطيف

سنة الطبعة

وقدم البرنامج لقاء مع الناجي من كارثة ”الطبعة“ الشاعر أحمد الكوفي والذي ناهز عمره 90 عاماً حينها وقال: ”سنة الطبعة كانت سنة مشؤومة على القطيف، وكانت ليلة أولها فرح وآخرها ترح، حيث كان الناس فرحين بانتهاء موسم الغوص والعودة لأهاليهم سالمين، وإذا بالعاصفة والأعاصير قد داهمتهم وأودت بأرواحهم، فأكلت اليابس والأخضر، إذ يتمت أولاد ورملت نساء، بأعداد لا تعد ولا تحصى، ولكن الله هو الخلاّف“.

ووثق الباحث التاريخي حسن آل سلهام في كتابه ”سيهات والبحر“ فصلاً كاملاً عن ”سنة الطبعة“، وذكر فيه: ”عم الحزن في جميع مدن الخليج العربي وعرفت بسنة الطبعة فيها لكثرة السفن التي طبعت فيها، وتوفي العديد من رجال الغوص“.

وأكد في بحثه أن مهنة الغوص قبل اكتشاف النفط، كانت المهنة الرئيسية، لذا فإن سنة الطبعة أثرت في جميع أهالي الخليج العربي، وكانت الخسائر من الأرواح البشرية والمادية، كبيرة، ولا تنسى، حيث كانت فترة هبوب الرياح واستمرت 45 دقيقة، كما رسخت في ذاكرة كبار السن حتى أن بعضهم يتذكر عمره اعتماداً على سنة الطبعة قبلها أو بعدها وهكذا.

النوخذة آل خريدة

سنة الطبعةوأورد آل سلهام في كتابة، صورة للنوخذة محمد آل خريدة وهو أشهر بحّارة مدينة سيهات، الذين كانت لهم الأيادي البيضاء في إنقاذ البحارة وانتشال الغرقى من عرض البحر في سنة الطبعة، كما أنه أول من جلب آلة لسحب سفن الغوص إلى الشاطئ، وكانت هذه الآلة موجودة بالقرب من البرج البري على ساحل الخليج، والمعروفة باسم ”الطويلة“.

فيما ذكر المؤلف سعد بن عبد العزيز السيف في كتابه ”حادثة سنة الطبعة“ أنه حدث في الخليج عدة طبعات منها ما هو مرصود ومنها ما طواه النسيان ولم يؤرخ، ولم تتناقله الرواة وذلك لحدوثها في زمن بعيد جداً، وأيضاً لغلبة الأمية وعدم الاهتمام برصد الأحداث.

وذكر أن في سنة الطبعة الشهيرة، كذلك سقطت الآلاف من النخيل وقلع ما لا يقل عن مثلها من الأشجار وهدمت جملة البيوت والعمارات، وفقدت أموال طائلة فقد كان البحارة يحملون أموالهم معهم أثناء ركوبهم البحر للحفاظ عليها.

الحالة الجوية ليلة الكارثة

وذكر الباحث الفلكي والمهتم بشؤون الطقس سلمان الرمضان عن الحالة الجوية ليلتها، أنه في التاريخ المذكور لما عرف بسنة الطبعة وهو أوائل اكتوبر 1925 م، لم تكن الأرصاد ونظم الإنذار متوفرة وبالتالي فجميع ما ينقل هو روايات، ولكن وربما يمكن عمل محاكاة حاسوبية لعلها تفيد نوعا ما في معرفة الأجواء.

وقال الرمضان: ”غالبا تكون تلك الفترة مرحلة انتقالية بين الأجواء الحارة «القيظ» والاستعداد لبرودة الأجواء وحدث تخلخل في قيم الضغط أدى لحدوث رياح قوية كونت عاصفة ترابية امتدت لداخل البحر خاصة مع وجود برودة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي قابلتها الرطوبة التي تنتشر في مثل تلك الفترات مما شكل حالة من عدم الاستقرار الجوي في سواحل الخليج تسببت في أمطار غزيرة وسريعة التكون فاجتمعت الأمطار القوية مع الرياح الشديدة وهيجان البحر مما أدى لتلك الكارثة المؤسفة والله أعلم“.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
cwc
[ Qateef ]: 14 / 10 / 2021م - 2:04 م
اللهم ارحم كل من توفى في ( سنة الطبعه ) رحمة واسعه ، واسكنهم اوسع الجنان ، انك ارحم الراحمين
2
خليفوه
[ المريخ ]: 15 / 10 / 2021م - 4:07 م
يوجد ناجي آخر لم يذكر.
المرحوم هلال بن شرار من القلعة بالقطيف.
3
ناجي
[ الشرقية ]: 18 / 10 / 2021م - 8:51 م
رحمهم الله تعالى وأسكنهم فسيح جناته مع النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين آمين رب العالمين. الغرقى بمنزلة الشهداء. لو يعملوا فيلم سينمائي طويل وثائقي أو تمثيلي لتوثيق الحدث وتخليده يكون رائع جدا.فف?
4
أم ماريا
19 / 10 / 2021م - 3:38 م
الله يرحمهم برحمته الواسعه