آخر تحديث: 12 / 5 / 2021م - 1:01 ص

وداعا أسطورة كرة القدم «18»

عبد العظيم شلي

خضع الفتى الذهبي، لعلاج مكثف وكشف مستمر، وفحص دقيق لمراقبة مرض الكبد الوبائي الذي ألم به فجأة دون أن يدري، نصحه الأطباء بالتزام الراحة الكاملة للسيطرة على العلامات والأعراض، توقف عن اللعب لبضعة أشهر، تعافى خلالها تحت جرعات الأدوية والمهدئات، مرض ذاهب للانحسار بعد تطمينات الأطباء، بمرور الوقت تنامت روحه بإيجابية متفائلة.

على جبين الخطى، يسرج الفتى خياله للأمل الأبعد، كيانه متوثب، وعلى وقع الصافرة، ارجله جموح تسابق الريح نحو بلوغ المرمى.

الكرة سلوة تنسيه المرض الذي اقضى مضجعه، متجاوزا الأنين والوحدة والغربة وحرمان الأحبة وحميمة الأسرة، نزوله للملعب وهج، والمباريات متعة، والهتاف تشجيع، يرقص الجماهير على انغام ترقيصه للكرة ذات الشمال واليمين، متواليات اللعب تغيض الخصوم، لاسيما من داخل نفسه مرض، فترتفع عنده نسبة الادرينالين لأقصى حد، بحرارة كيد مبطنة، متى تحين الفرصة للاقتصاص منه، وكيف السبيل للانقضاض عليه، بخلق تمثيلية مفتعلة مغلفة بلعبة مشتركة، دون معرفة الحكم، وما الضير علم ولم يعلم، وليس مهما أن يرفع كارت أصفر أو حتى أحمر، المهمة المرتجاة إبعاد الفتى عن اللعب بأي وسيلة، إزاحته بأي أسلوب متبع أو غير متبع، طريقة معدة سلفا آتية لاريب فيها، ساعة الصفر السوداء قادمة وحركة قبح تنسج خيوطها في مسيرة الفتى.

هناك لاعبون يسند لهم المدربون مراقبة لاعب معين، وخصوصا الذي يشكل خطرا عليهم، وحسب المفهوم الكروي تعطيل صاحب مفاتيح اللعب، او الحد من مهاجم قناص، حتى لا يملك الخصم التحكم في مجريات المباراة، ابعاد الورقة الرابحة بكل ما هو متاح، هذا الشيء معمول به ضمن خطط المدربين الفنية وساريا في عالم الكرة، اسناد يؤكل للاعب معين يتتبع خطوات وجري اللاعب المستهدف لشل حركته طوال الوقت، ملازم له كظله، احتكاك جسدي حتى من دون كرة، إلى هنا الأمر مقبولا.

لكن بعض اللاعبين يتجاوزن المهمة المناطة إليهم، فيقومون بما هو أبشع من المراقبة البحتة، تارة يستخدمون الألفاظ النابية الوقحة، واخرى بالتدخلات الجسدية المستفزة، يتعمدون الركل قصدا، والضرب عمدا، للوصول لنرفزة اللاعب بتشتيت فكره، وخروجه عن ”مود“ المباراة، فيحدث التشاحن والتدافع شيئا فشيئا لغاية الاشتباك، وهنا الابعاد قد يحدث، رهن بتقدير الحكم، انذار احدهم او طردهما من الميدان - الضارب والمضروب -، إن حصل فالمهمة الموكلة اتت اؤكلها، ومن يملك اعصابه ربما لا ينجو من آثار الضرر الجسدي الذي سيكبله عن الحراك، وقد يطلب الخروج لعدم مقدرته على مواصلة اللعب، وعندئذ سيتخذ المدرب بديلا عنه لتعويض مركزه الذي اصبح شبه معطل، وربما تتوسع الاصابة لاحقا وتسوء الحالة ويبتعد عن مزاولة اللعب ردحا من الزمن.

الروح الرياضية عند بعض اللاعبين الانذال لا وجود لها في نفوسهم وان تظاهروا خلاف ذلك، هم ثعالب غدر، لا شيء في قاموسهم الرياضي اسمه المنافسة الشريفة، يمارسون كل قبح وخسة ودناءة متى اتيحت لهم الفرصة للانقضاض على الخصم، ساحة الملعب بالنسبة لهم تصفية حساب جسدية ونفسية، دون مراعاة لأحد، وعلى مرأى من آلاف العيون الشاخصة يقومون بفعلهم الشنيع، والضحايا مواهب كروية غيبت عن الملاعب قسرا.

الدوري الاسباني على اشده، تسابق محموم بين ثلاثة فرق لكسب مزيد من النقاط، منافس البرشا ليس فقط ريال مدريد، إنما أحد أكبر الأندية في اقليم الباسك، ”اتليتيك بيلباو“، الذي يعيش عصره الذهبي، لكنه يتصف بصفة المحلية المعتمدة على النفس دون الاتكاء على الاجنبي، سياسة ليست موجودة في الأندية الاسبانية الأخرى، ناد مكتف بذاته ومغلق على نفسه، لا يستجلب لاعبين من دول ثانية ولا حتى من داخل اسبانيا، يقبل فقط لاعبين من اقليم الباسك وكذا المدربين، ناد اشبه بثكنة عسكرية، يمانع من قدوم الغريب، لا يقبل أحدا من خارج اقليمه مطلقا!

أهو خوف من سرقة الخطط الكروية، أم احتفاء بجذوة الروح الباسكيه النازفة منذ الحرب الاهلية الاسبانية.

تتراكم حمية باسكية منذ سنوات البطش، وتتصاعد في النفوس المكلومة والطامحة لما هو أبعد من مباراة كرة القدم!

يأتي الغريب ثمة شك في نواياه، لن يحمل الإخلاص والتفاني، مكانة الفريق يصنعها كل من تسري في عروقه الدماء الباسكية!!

تساؤلات وأوصاف محلها العزة القومية المتوارثة من جيل الى جيل، تستوطن السياسيين بمختلف توجهاتهم الايدلوجية، وترتسم تعبيرا عبر الفن والأدب والأغاني المصادرة، افرازات الحمية تعبر عن ذاتها خلال أهازيج الجماهير في حومة الميدان، وتدفع اللاعبين للنصر وللتوحش ايضا، فرقة بالباو جسورة يرتدي اصحابها قمصان بيضاء مخططة عموديا بالأحمر!

يدخلون الملعب ويتخذون من المباراة بمثابة حرب كروية، ومن خلفهم تمارس ”منظمة ايتا الانفصالية“ المتهمة بالإرهاب عبر اعمالها الدموية، التي تقود كفاحا مسلحا باسم حرية الباسكيين ضد الحكومة المركزية الاسبانية، سعيا لانفصال الاقليم كوطن مستقل عن سلطة مدريد.

الباسكيون المسالمون لا يخفون مشاعرهم الاستقلالية التي تخفت وتطفو على السطح احيانا، اصواتهم والاعلام يجير الرياضة مأوى للتصور وملاذا للتخيل، تنطلق الصيحات اثناء المباريات، متنفسا لما هو عصي على تغيير معادلة الواقع.

ذات مساء، وعلى ملعب ”الكامب نو“ اتت المواجهة الموعودة، للتنافس نحو سباق الدوري، بين فريق ”أتلتيك بلباو“ وفريق برشلونة، وبين ارض وجماهير الأخير، لكن ثمة حنق مسبق وغضب مترسب لدى لاعبي وادارة ومشجعي فريق برشلونة، بسبب خسارتهم لقيادة لاعبهم في مركز الوسط الالماني «بيرند شوستر» الذي كسره متعمدا.

اللاعب المخيف «أندوني جواكو يتكسيا» مدافع فريق بيلباو، المعروف بالتحامه القوي وعنفه اللامبرر ضد لاعبي الفريق المقابل، الكل يهابه ويخشاه، اصاب شوستر قبل موسمين، وعطله عن اللعب لمدة 9 اشهر، اثر ضربة قاسية في الركبة اليمنى، غياب هذا الهداف المتميز افقد ركائز القوة لذا البرشلونيين، حرموا من خدمات لاعب موهوب يعد بمثابة دينمو الفريق، اقصي قسرا بفعل سياسة التوحش.

حين حل مساء يوم 24 من سبتمبر 1983 التقى الاثنان مجددا بتحديات مسبوقة وتصريحات نارية من كلا الطرفين والمدربين زادا من لهيب المواجهة.

عيون مصوبة، وقلوب وجلة، لمواجهة حامية، الحماس مستعر واللعب يميل للبلوجرانا، ثمة تراجع للاعبي بلباو لتحصين مرماهم بكل مااتوا من قوة وشدة بأس، ضغط مستمر من قبل لاعبي البرشا ومحاولات عديدة لفك الدفاعات المتمترسة للذود عن عرينهم، برشلونه يدك حصون بيلباو بالطول والعرض، دقائق معدودات بان التصدع عبر تنقلات اللعب يمينا وشمال، الى أن جاء الهدف الاول، ومعه ينطق المثل الشعبي راسما واقع الحال ”كثر الدق يبطل للحام“ وعبر اللعب السريع والهجمات المتوالية تعزز حضور الهدف الثاني وعند مرور منتصف المباراة، ثلاثة اهداف تسكن مرمى ”التلتيك بالباو“، اثنان من صنع مارادونا، هاج الملعب فنا وتشجيعا، والانفعال بلغ مداه، تألق مقابل انهيار، جن جنون ”جواكويتكسيا“ مدافع بالباو، أوجاده متوترة، وعيناه جاحظة، انفاسه لاحثة، خطواته تتابع الفتى الذي بحوزته الكرة، اندفع من خلفه كثور هائج وبكل وحشية، انقضى بكامل ثقله منزلقا على العشب غارسا رجله اليمنى على كاحل قدم مارادونا اليسرى، ارداه ارضا يتلوى الما ووجعا، توقف نبض الملعب فجأة، حبست الأنفاس، خيم الوجوم والحضور صمت، الفتى لا يقوى على الحراك، يتأوه الما، من شدة الضربة صارخا ”انني كسرت كسرت“!!

نقل على وجه السرعة للمستشفى والجماهير في ذهول، فرح الفوز انقلب حزنا، بعد الأشعة تبين كسر في كاحل قدمه اليسرى، وهي التي يعتمد عليها لعبا وفنا.

ضاقت مدينة برشلونة في عيون الفتى بما رحبت.

عنونت الصحافة بمختلف ميولها، جزار بلباو هل ينهي حياة مارادونا؟، غصة في حلوق الطامحين الذين يرون الفتى افضل لاعب في العالم وهل سيحرمون من ابداعه، تساؤل ما انفك على الألسن نغمة تدور وبحرقة، هل سيعود؟.