آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 9:21 م

لماذا تعطل التغيير الاجتماعي عربياً؟

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

حين اندلعت الحركة الاحتجاجية العربية في بداية العقد الثاني من هذا القرن، تبادل الكثير من الناس، أن الأمة على أعتاب تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وفي حينه أسرف الكل في استخدام تعبير «الثورة» دونما تحديد للقصد منه. واختلطت المفاهيم الإبستمولوجية مع بعضها.

لقد استخدمت كلمة «الثورة» في أدبيات الفكرية العربية، بمعان مختلفة، ارتبطت في الغالب بالكفاح ضد الاستعمار، بمعنى ارتباط المفهوم بالتحرر الوطني. وليس في ذلك ضير، طالما أصبح المفهوم واضحاً للمتلقي. «الثورة» استخدمت أيضاً، بمفهوم التحول في موازين القوى الاجتماعية. وتلك صفة طبعت الثورات الاجتماعية الكبرى في التاريخ الإنساني.

بالنسبة للحركات الاحتجاجية، التي ارتبطت بما يسمى“الربيع العربي”، فقد كان المؤمل منها كسر حواجز الخوف، وعبور برزخ القنوط واليأس، وكنس الترسبات الراكدة، وتغيير البنيات الاجتماعية القديمة، لكن ذلك لا يزال بعيد المنال، وسيظل إلى أمد غير منظور، في خانة التمنيات.

لقد استعيض بالحركة العفوية، عن الرؤية السياسية فيما تم التعارف عليه بالثورات العربية، وذلك بسبب غياب تراكم التجارب الديمقراطية العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا. والواقع أن الوطن العربي، لم يشهد منذ استقلاله، تجربة ديمقراطية مستمرة، في أي من أقطاره. ويبدو أن قطار التحول الديمقراطي تعطل عند بوابات وطننا العربي.

ولعل الحديث عن شروط تحقق المفهوم، يسهم في الكشف عن أسباب تخلف حضوره في واقعنا العربي. فمن وجهة نظرنا، يصعب قبول المفهوم المثالي السائد للديمقراطية، على أنها حكم الشعب. بل الصحيح أنها قد تكون أفضل ما لدينا من رؤية فلسفية، حتى هذه اللحظة، لإشراك عدد أكبر من الجمهور في صناعة القرار. لكنها لا تعني بالضرورة أن الشعب يحكم نفسه بنفسه، رغم أن ذلك هو ما تنص عليه دساتير البلدان التي تتبنى الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

الديمقراطية، في أساسها حاصل تسويات بين قوى ليس بمقدور أي منها حسم الصراع لصالحه. وأن قوانين الضرورة، تلح على بقاء وحيوية أدوار هذه القوى. ويمكن اختزال هذه القوى، في ظل التجارب الديمقراطية العريقة بطبقتين: الطبقة الرأسمالية والطبقة المتوسطة.

وما دامت هاتين الطبقتين، غير قادرتين على تصفية حساباتهما، وحسم الصراع لصالح أحد منهما، ولأن وجود كليهما أمر تفرضه الضرورات الاقتصادية والاجتماعية، أمسى اللجوء إلى القسمة، بينهما أمراً محتماً. فجاء تدشين هذه المؤسسات، التي تعبر في مجملها عن النظام الديمقراطي، لتمثل تسوية تاريخية بينهما.

لقد سبقت هذا التحول التاريخي، مرحلة تبشير طويلة، مرت بها أوروبا شهدت حركات إصلاح دينية. كما شهدت تحولات في الأفكار مثّلها «كتاب العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو، وروح القانون لمونتيسكيو واتفاقيتان لجان لوك، والأخلاق البروتستانتية لماكس فيبر. كما شهدت مرحلة التبشير تغيرات فلسفية، وبروز مذاهب فنية وأدبية، ليست الرومانسية والتجريدية والسيريالية، سوى تجليات مرحلة التبشير هذه. توجت مرحلة التبشير وحركة الإصلاح الديني، بقيام ثورتين اجتماعيتين، أسهمتا في تغير خارطة البشرية، هما الثورة الفرنسية والثورة الإنجليزية. وكانت الثورتان في توقعهما وتطلعاتهما ثورات أفكار بالدرجة الأولى.

في الوطن العربي، هبت الرياح الفكرية، التي ارتبطت بتلك التحولات، خجولة. وبدأ عصر تنوير جديد. لكن كل المعطيات عملت على لجمه. فالصراع في منطقتنا لم يكن بين قوى آفلة وقوى مستقبلية. وصراع التنوير العربي، لم يكن مع قوى آفلة، بل مع احتلال غربي، أقوى في العتاد والعدة.

وكانت معضلة عصر التنوير، أنه حمل ذات الصبوات والمبادئ التي تسود في بلد الاحتلال. فكان التناقض بين العداء للمستعمر، من جهة وبين تبني أفكاره من جهة أخرى. ولم يكن التوازن في صالحنا بالمطلق.

فالمحتل، استثمر جل قدراته العلمية، واكتشافاته الجغرافية، ليحجب عنا الشمس. وقطع طرق المواصلات البحرية ودمر الصناعات الحرفية في مصر وبلاد الشام.

فكان الصراع غير متكافئ بيننا وبين دول الاحتلال. فلا وجود لمرحلة تبشير ولا إصلاح ديني، ولا قوى اقتصادية صاعدة، ولا وجود لطبقة أرباب الصناعة، والطبقة المتوسطة. فجل ما تواجد في منطقتنا، طبقة تجارية، وسيطة بين المستهلكين من الناس العاديين، وبين ملاك الصناعات المتقدمة، من خارج المكان.

وسيبقى الأمر كذلك، ما لم تحرك القوى الذاتية المحركة، وتنقل اقتصاداتنا إلى الطابع المنتج. وذلك ما لا يلوح أفقه في ظل واقعنا الراهن، المسكون بتغول قوى التطرف والإرهاب، وغياب مشاريع التنمية الحقيقية، بما يسهم في خلق بنية أكثر مواءمة للتحول الاجتماعي المنشود.